بقلم: فهد فالح
لم تقع الجريمة في بيت سارة.
وقعت في رأس رجل.
ولم يكن السلاح مسدسًا.
كان هاتفًا.
ولم تكن الرصاصة من رصاص.
كانت كلمة.
ولم تمت الضحية.
وهنا كانت المأساة!
بقيت حيّة…
حيّة لترى بيتها يُهدم أمامها.
وزوجها يتحول من حضنٍ إلى خصم.
وأهلها يتحولون من جدارٍ يحميها إلى عيونٍ تستجوبها.
واسمها الذي حفظته عمرًا كاملًا يُذبح في دقائق.
أحيانًا يكون الموت أرحم من أن تعيش لتشاهد الناس يدفنونك وأنت واقف!
كانت سارة عروسًا جديدة.
قلبها ما زال في شهر العسل.
والبيت ما زالت رائحة البدايات تسكن جدرانه.
زوج يحب.
وزوجة تثق.
وشقة صغيرة تمتلئ بأحلام كبيرة.
وفوق الجميع رجل صالح هو أبو عامر؛ عرف طريق المسجد حتى كأن المسجد يعرف وقع خطواته.
لكن للبيت بابًا آخر.
وخلف الباب…
كان عامر.
شابًا دخلت إلى حياته رفقة السوء، فحوّل ملحق البيت إلى ليلٍ لا ينام.
ضجيج.
سيارات.
سهر.
وجوه تدخل بعد العصر ولا تعرف طريق الخروج إلا قبيل الفجر.
صبر فارس.
مرة.
ومرتين.
وعشرًا.
حتى تعب الصبر من صاحبه.
ذهب إلى أبي عامر.
لم يصرخ.
لم يشتم.
قال بأدب:
زوجتي لم تعد تستطيع الدخول والخروج براحتها، وهذه التجمعات آذتنا.
جملة عادية جدًا.
لكن بعض القلوب لا تسمع الجمل بحروفها.
تسمعها بمرضها!
وصلت العبارة إلى عامر لا باعتبارها شكوى…
بل باعتبارها إهانة.
أغلق الأب الملحق.
أبعد الرفاق.
وانتهى الضجيج.
وظن الجميع أن القضية انتهت.
لكن النار لم تنطفئ.
انتقلت فقط…
من الملحق إلى صدر عامر.
لم يقل عامر:
سأؤذي فارس.
كان يريد أكثر.
أراد أن يهدمه من الداخل.
وهنا تبدأ الجرائم التي لا تُرى فيها الدماء.
فالحقد إذا اجتمع مع الذكاء بلا خوف من الله…
صار مهندسًا.
يقيس.
ويخطط.
وينتظر.
ويعرف أين يضع اللغم.
بدأ عامر يجمع الفتات.
حديثًا هنا.
كلمة هناك.
لون مجلس.
شكل كنبة.
تحفة في زاوية.
ديكور مطبخ.
تفاصيل صغيرة لا تساوي شيئًا منفردة…
لكن الشيطان لا يحتاج إلى جبال ليبني كذبة.
يكفيه حفنة حصى.
ثم نزل عامر درجة أخرى.
إلى القمامة.
لم يعد يبحث عن شيء ضائع.
كان يبحث عن إنسان.
عن سر.
عن ثقب يدخل منه إلى بيت مغلق.
فتتبع ما لا يحل له تتبعه، حتى عرف من خصوصيات سارة ما لم يكن ينبغي له أن يعرف.
وعندها اكتملت الخطة.
لم يكن غبيًا حتى يقول لفارس:
زوجتك تخونك.
فالاتهام الصريح قد يُضحك.
وقد يُكذّب.
وقد يُغلق الهاتف في وجهه.
كان يريد شيئًا أخبث.
أراد أن يجعل فارس هو الذي يصنع التهمة بيديه!
أن يملأ رأسه بالتفاصيل…
ثم يتركه يقول:
مستحيل أن يعرف هذا إلا رجل دخل بيتي!
هذه ليست كذبة عادية.
هذه قنبلة رُكّبت بعناية.
رن الهاتف.
رقم مجهول.
قال الصوت:
كيف سارة؟
أغلق فارس.
وحظر الرقم.
لكن السم دخل.
رن رقم آخر.
ثم آخر.
ثم بدأت التفاصيل.
لون الأثاث.
شكل المجلس.
التحف.
الأماكن.
أشياء لا يعرفها الغريب.
هنا لم يعد فارس يسأل:
من هذا الكذاب؟
بدأ يسأل:
كيف عرف؟
وهنا فتح الباب.
دخل الشك.
والشك لص محترف.
لا يطرق.
لا يستأذن.
لا يدخل من الباب.
يدخل من ثقب دبوس…
ثم يطرد صاحب البيت!
ظل فارس يقاوم.
يقول:
محتال.
كذاب.
مريض.
حتى جاءت الرصاصة الأخيرة.
معلومة خاصة جدًا.
معلومة ظن فارس أن العالم كله لا يعرفها إلا هو وزوجته.
قالها عامر.
وسكت فارس.
في تلك اللحظة…
لم تسقط المعلومة.
سقط اليقين.
عاد إلى البيت.
خرج صباحًا زوجًا.
وعاد مساءً قاضيًا.
كانت المحكمة قد انعقدت في رأسه.
والمدعي حاضر.
والشاهد حاضر.
والحكم مكتوب.
ولم يبق إلا أن تُساق المتهمة إلى المقصلة!
سأل سارة:
هل يعرف أحد هذا الأمر؟
قالت:
لا والله.
لا يعلمه إلا أنت.
كانت تقول الحقيقة.
لكن الحقيقة وصلت متأخرةً دقيقة واحدة.
والشك كان أسرع!
يا لقسوة الدقيقة حين تغيّر عمرًا!
لم يعد فارس يسمع.
حين يصرخ الشك داخل الإنسان…
تصبح الحقيقة همسًا.
وقعت الكلمات.
وقع الغضب.
وقع الاتهام.
ثم وقع الطلاق.
وسقط البيت كله!
خرجت سارة من بيتها.
لكنها لم تخرج وحدها.
خرج معها اسمها.
كرامتها.
ذكرياتها.
أحلامها.
وكل شيء كانت تظن أنه آمن.
دخلت البيت عروسًا.
وخرجت منه متهمة.
وما أقسى أن تكون بريئًا…
ولا تعرف كيف تثبت براءتك!
ماذا تفعل سارة؟
تبكي؟
بكت.
تقسم؟
أقسمت.
تصرخ؟
صرخت روحها حتى بُح صوتها.
لكن سؤالًا واحدًا كان يطاردها ككلب مسعور:
إذا كنت بريئة… فكيف عرف؟
كيف عرف؟
كيف عرف؟
كيف عرف؟
ثلاث كلمات.
لكنها كانت ثلاث رصاصات تُطلق عليها كل صباح.
لا أحد يسأل:
هل يمكن أن يكون هناك تفسير آخر؟
لا أحد يقول:
لعلنا نجهل شيئًا.
لا أحد يضغط على فرامل الظن.
الجميع ركب السيارة المسرعة نفسها.
والهاوية أمامهم.
أغلقت سارة غرفتها.
لكن الكلام لا يحتاج إلى مفتاح.
يدخل من الجدران.
من النظرات.
من الصمت.
من تبدل الوجوه.
من السؤال الذي لا يُقال.
وذبل البيت.
ومرض الأب.
ثم مات.
ومات معه شيء آخر في قلب سارة.
ومضت الأيام.
وتزوج فارس.
لكنه لم ينجُ.
فالشك الذي أدخله عامر إلى بيته خرج معه!
صار يحمل جرحه إلى حياته الجديدة.
أما عامر…
فظن أنه انتصر.
أغلقوا عليه ملحقًا…
فأغلق على غيره بيتًا!
اشتكى منه رجل…
فانتقم من امرأة!
وظن أن الستار أُسدل.
ونسي أن بعض الستائر لا يملك البشر إنزالها.
ثم جاء الحادث.
انقلبت سيارة عامر.
وتحوّل الشاب الذي كان يمشي خلف الأسرار إلى رجل على سرير.
طالت الغيبوبة.
فلما عاد إليه وعيه…
عاد معه السر.
والأسرار الثقيلة لا تسكن القلب إلى الأبد.
إما أن تخرج من الفم…
وإما أن تأكل صاحبها.
انهار عامر.
وبكى.
وقال لأبيه:
سارة بريئة.
أنا الذي فعلت.
أنا الذي تتبعت.
أنا الذي جمعت التفاصيل.
أنا الذي اتصلت.
أنا الذي زرعت الشك.
أنا الذي هدمت البيت.
كانت الكلمات أقسى على أبيه من الحادث.
فالشلل مصيبة.
لكن أن يكتشف الأب أن ابنه شلَّ حياة إنسانة أخرى…
فتلك مصيبة أخرى.
وكان يستطيع أن يستر الحكاية.
أن يقول:
مضى ما مضى.
أن يغلق الباب.
لكن الرجل فهم الحقيقة:
الفضيحة كانت علنية… فلا يجوز أن تبقى البراءة سرًا!
جمع الناس.
دعا الأقارب.
دعا الوجهاء.
دعا فارس.
وأقام وليمة كبيرة.
ثم دخل عامر.
لا على قدميه.
على سرير.
ذلك الذي تحرك يومًا بكل نشاط ليحفر حفرة لغيره…
جاء عاجزًا ليشهد سقوط الحفرة فوق حياته.
وقف الأب.
وشق الصمت بصوته:
سارة بريئة.
ثم قالها أوضح:
لم تخن.
لم تزن.
لم تفعل ما اتُّهمت به.
والجرم كله من ولدي.
انفجرت القاعة.
لا بقنبلة.
بل بالحقيقة.
والحقيقة حين تتأخر سنوات…
يكون لصوتها دويُّ مدفع!
تسمّر فارس.
دار به المكان.
عادت إليه سارة.
عادت وهي تقسم.
عادت وهي تبكي.
عادت وهي تُطرد.
عاد صوتها:
أنا بريئة.
عاد أبوها.
عاد موته.
عاد الطلاق.
عادت الليالي.
عاد كل شيء في لحظة واحدة…
لكن لا شيء كان قابلًا للعودة!
نظر فارس إلى عامر.
وسأل سؤالًا لم يكن سؤالًا.
كان صرخة عمر:
أنت فعلت هذا كله؟!
وكانت دموع عامر هي الجواب.
وفي تلك اللحظة عرف فارس الحقيقة التي تقتل:
كان يستطيع أن يتثبت.
كان يستطيع أن ينتظر.
كان يستطيع أن يصدق المرأة التي عاشت معه.
كان يستطيع…
لكنه لم يفعل.
ثم جاء أهل سارة.
لا خضوعًا لبشر.
ولا ركوعًا إلا لله.
جاؤوا بعيون دامعة.
بقلوب ممزقة.
بأيدٍ على الصدور.
وبكلمة ثقيلة:
سامحينا.
وما أصعب الاعتذار حين يأتي بعد جنازة!
بعد طلاق!
بعد موت أب!
بعد سنوات لا تعاد!
سامحت سارة عامر.
ربما لأنها لم تشأ أن تحمل سجنه معها بقية العمر.
فالصفح أحيانًا ليس هدية للظالم.
بل تحرير للمظلوم.
لكن فارس؟
هناك جروح تلتئم.
وجروح تتوقف عن النزف فقط.
قالت:
قد أسامح…
لكنني لن أعود.
وكأنها تقول:
سامحت الذي كذب عليَّ… أما الذي لم يصدقني، فقد كسر شيئًا لا يعرف النجارون إصلاحه.
وحاول فارس أن يجبر ما لا يُجبر.
اشترى لها بيتًا.
وهيأ لها سيارة.
وأراد أن يعوضها.
لكن بأي ثمن تشتري ليلة واحدة نامت فيها مظلومة؟
كم ثمن دمعة؟
كم سعر أب مات مكسورًا؟
كم تساوي سنوات ضاعت؟
المال يعوض أشياء كثيرة.
إلا الزمن.
وإلا القلب حين يُذبح على يد من كان يجب أن يحميه.
وأجمل ما عاد إلى سارة لم يكن الفيلا.
ولا السيارة.
ولا المال.
الذي عاد إليها كان أثمن:
اسمها.
عاد طاهرًا كما كان.
بل إن الطهر لم يغادره أصلًا.
الذي اتسخ لم يكن اسم سارة.
كانت عيون الذين ظلموها.
هذه ليست قصة سارة وحدها.
هذه قصة كل إنسان قتله الظن.
كل امرأة شُهّر بها.
كل رجل مزقته إشاعة.
كل بيت دخله ناقل كلام فخرج منه الحب.
كل بريء قال:
والله لم أفعل.
فقيل له:
لكن الأدلة تقول!
وما كانت أدلة.
كانت خيوط عنكبوت بدت في الظلام حبالًا!
كم من إنسان نحكم عليه لأن الرواية متماسكة؟
والكذب أحيانًا شديد التماسك!
أخطر الكاذبين ليس من يكذب عليك في كل شيء.
بل من يعطيك تسع حقائق…
ليبيعك بها كذبة واحدة.
وأظهر الله براءة سارة بعد طول ظلم.
طال الطريق.
لكن الحق وصل.
تأخر.
لكنه لم يمت.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾
[إبراهيم: 42]
قد ينام المظلوم.
لكن مظلمته لا تنام.
قد يسكت.
لكن الله يسمع.
قد يعجز عن الدفاع عن نفسه.
لكن الحقيقة لا تعجز إلى الأبد.
وقد يطول ليل الظلم…
حتى يظن الظالم أن الشمس ماتت.
ثم يفتح الصباح نافذته!
لو سألتني:
من هدم بيت سارة؟
أقول:
عامر وضع اللغم.
الشك أشعل الفتيل.
والتسرع فجّره.
أما الذي وقف فوق الأنقاض باكيًا…
فكان الجميع.
وهذه هي المأساة.
أن يدفع الأبرياء الثمن أولًا…
ثم يدفع النادمون بقية العمر.
فلا تصدق كل هاتف.
ولا تسلّم عقلك لكل رواية.
ولا تجعل غيرتك قاضيًا.
ولا تجعل الشك شاهدًا.
ولا تذبح إنسانًا بسؤال:
كيف عرف؟
قبل أن تسأل:
هل ما عرفه دليل أصلًا؟
فقد تنجو من كذبة اليوم.
لكن إن ظلمت بريئًا…
فقد تأتيك الحقيقة بعد سنوات.
لا لتعيد ما فات.
بل لتريك فقط…
ماذا فعلت!
بريئة… نعم.
لكن البراءة جاءت بعد أن مات الأب.
ومات البيت.
ومات الحب.
وماتت أشياء كثيرة.
ولهذا كان إعلان البراءة انتصارًا…
وكان في الوقت نفسه جنازةً متأخرة!


اترك رد