حين تصعد الملعقة إلى منبر التشريع
بقلم: فهد فالح
منذ وقف آدم أمام الشجرة، لم تكن اللقمة مجرد لقمة.
كانت شجرة واحدة… لكن وراءها أول درس في تاريخ الإنسان:
الله يضع الحد.
والإنسان يقف عنده.
ومنذ ذلك اليوم ظل الطعام يتحرك بين دائرتين:
دائرة الجسد… ودائرة الشرع.
الجسد يقول: هذا يناسبني، وهذا يؤذيني.
والطبيب يقول: هذا أنفع، وهذا أضر.
أما الدين فيقول: هذا حلال… وهذا حرام.
والمصيبة تبدأ عندما تختلط الدائرتان!
⸻
في زماننا ظهر خطاب يرفع اسمًا جميلًا:
«الطيبات».
والاسم قرآني.
والشعار صحي.
والوعد كبير.
لا مشكلة في حمية.
ولا مشكلة في نصيحة.
ولا مشكلة أن تهجر طعامًا لأن معدتك لا تحبه.
المشكلة تبدأ حين تصعد الملعقة إلى المنبر!
حين يتحول:
«لا أنصحك بهذا»
إلى:
«هذا خبيث».
وحين تتحول التجربة الشخصية إلى قاعدة، والقاعدة إلى دين، والدين إلى قائمة طعام!
هنا يجب أن نسأل السؤال الذي لا يحتمل الزينة:
من أعطاك حق التحريم؟
قال الله:
﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
وقال:
﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾.
هذا هو السؤال.
ليس: كم متابعًا لديك؟
ولا: كم شخصًا قال إنه تحسن؟
ولا: كم مقطعًا انتشر؟
السؤال:
هل أذن الله؟
⸻
تريد ترك البيض؟
اتركه.
لا تحب العدس؟
لا تأكله.
لا يناسبك اللبن؟
ابتعد عنه.
لا تريد الدجاج؟
عش عمرك كله بلا دجاج!
المائدة لك.
لكن لا تجعل معدتك مفتيًا.
ولا تجعل ذوقك آية.
ولا تجعل تجربتك تشريعًا لأمة!
الإسلام لم يضع الإنسان في سجن من الأطعمة.
قال الله:
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾.
الأصل سعة.
والتحريم استثناء.
فلا يحتاج العدس إلى محامٍ.
ولا البيضة إلى شهادة براءة.
ولا الدجاجة إلى الوقوف كل صباح أمام المحكمة!
من منع… فعليه الدليل.
⸻
وقد علّمنا النبي ﷺ هذا الفقه في مشهد لا يحتاج إلى مجلدات.
قُدِّم إليه الضب.
فعافته نفسه.
فتركه.
هل حرمه؟
لا.
هل قال لأصحابه: لا تأكلوه؟
لا.
وأكل خالد بن الوليد رضي الله عنه منه أمامه.
ما أعظم هذا المشهد!
النبي ﷺ يقول بالفعل:
أنا لا آكله… لكنني لا أحرمه عليك.
هذه المسافة القصيرة بين:
«لا أريد»
و
«لا يجوز»
هي المسافة بين الذوق والتشريع.
وبين الحرية والتضييق.
وبين الفقه… والفوضى.
⸻
والدجاج أوضح.
ثبت عن أبي موسى رضي الله عنه:
«رأيت النبي ﷺ يأكل دجاجًا».
انتهى أصل المسألة شرعًا.
من قال: لا يناسبني طبيًا، فبابه الطب.
من قال: لا أحبه، فبابه الذوق.
أما من أراد أن يجعله خبيثًا شرعًا…
فالنص أمامه.
حديث صحيح لا تمحوه تجربة.
وسنة ثابتة لا تنسخها انطباعات.
⸻
ثم تأتي القضية الأخطر:
أن تتحول الحمية إلى بديل عن العلاج.
هنا لا نتحدث عن طبق.
نتحدث عن حياة.
الإنسولين لمريض يحتاجه ليس رأيًا ثقافيًا.
والدواء الضروري ليس خصمًا للتوكل.
قال النبي ﷺ:
«تداووا».
وقال:
«احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز».
الغذاء سبب.
والدواء سبب.
والشفاء من الله.
فإذا تحول الطعام إلى بديل مطلق عن العلاج، لم نعد أمام حمية.
نحن أمام مغامرة بجسد إنسان.
⸻
الدين لا يحارب الطب.
والطب لا يحارب الدين.
لكن الكارثة حين يريد أحدهما أن يسرق وظيفة الآخر.
الطبيب يبين النافع والضار.
والشرع يبين الحلال والحرام.
فإذا تكلم الطبيب في الشرع بلا دليل، تجاوز حدوده.
وإذا تكلم الفقيه في الطب بلا خبرة، تجاوز حدوده.
لكل باب أهله.
ولكل علم ميزانه.
⸻
كل ما أحل الله.
واترك ما شئت.
واستشر طبيبك فيما يخص جسدك.
واسأل أهل العلم فيما يخص دينك.
إن حريتك في مائدتك أوسع مما تظن،
ودينك أرحم بك مما يتوهم الصائحون!
كل ما على أطباقنا هو رزق الله الطيب،
سُخر لنا لنستعين به على الحياة ونحمده عليه،
لا لنحيله إلى ساحات اتهام ومحاكمات تضيّق ما وسعه الخالق.
فمن شاء أن يتبع حمية فليرعَ جسده بالطب والعلم،
ومن شاء أن يدع طعامًا فله مِنسأته وذوقه،
بلا حرج ولا ملام.
ولكن، لا تسمح لأحد أن يعلق فوق طبقك لافتة تقول:
«ممنوع بأمر السماء»
ثم لا تجد الأمر في السماء!
فالطبق لك..
والحمية لك..
والاختيار لك..
أما الحكم… فلله.


اترك رد