بقلم: فهد فالح
العاشرة مساءً.
الناس لم يناموا بعد.
المطاعم مزدحمة.
الهواتف تضيء.
الشاشات مفتوحة.
وأحاديث المجالس لم تنتهِ.
وربما كنت تظن أن موعد ذلك النداء العظيم لا يزال بعيدًا… وأن عليك أن تنتظر الثانية أو الثالثة بعد منتصف الليل حتى يدخل الثلث الأخير.
لكن في صحيح مسلم حديث يستوقف القلب قبل العين.
قال رسول الله ﷺ:
«إنَّ اللهَ يُمْهِلُ حتَّى إذا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأوَّلُ، نَزَلَ إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيَقولُ: هل مِن مُستَغفِرٍ؟ هل مِن تائِبٍ؟ هل مِن سائِلٍ؟ هل مِن داعٍ؟ حتَّى يَنفَجِرَ الفَجرُ».
رواه مسلم.
اقرأ العبارة مرة أخرى:
«إذا ذهب ثلث الليل الأول».
ليس المقصود الساعة العاشرة دائمًا؛ فالليل يطول ويقصر، ويُحسب من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، ولكن نهاية ثلثه الأول قد تأتي في بعض أيام السنة قريبًا من هذا الوقت.
أي أن السماء قد تكون قد فتحت لك بابًا عظيمًا…
وأنت لا تزال تقلب هاتفك!
يا للعجب!
نحن نعرف حديث الثلث الأخير، وهو حديث صحيح عظيم، ونردد قوله ﷺ:
«حين يبقى ثلث الليل الآخر».
ولكن بعض الناس لا يعرف أن في صحيح مسلم أيضًا هذه الرواية العجيبة:
«إذا ذهب ثلث الليل الأول».
والواجب أن نؤمن بالنصوص كلها، ونثبت لله ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ، نزولًا يليق بجلاله سبحانه، بلا تكييف ولا تمثيل، ولا نخوض في كيفيته.
لكن المقال ليس عن «كيف ينزل».
المقال عن:
كيف تنام أنت؟
كيف تمر الساعات، وربك يقول:
هل من مستغفر؟
وأنت تحمل ذنوبًا أرهقت ظهرك.
هل من تائب؟
وأنت تقول منذ شهور: سوف أتوب.
هل من سائل؟
وفي صدرك حاجة لم تستطع أن تقولها لأحد.
هل من داع؟
وأمامك أبواب أغلقتها الدنيا واحدًا بعد الآخر.
تأمل ترتيب الكلمات.
المستغفر…
والتائب…
والسائل…
والداعي.
كأن الرحمة تبحث عن كل صاحب قصة.
أذنبت؟
تعال.
ابتعدت؟
تعال.
احتجت؟
تعال.
انكسرت؟
تعال.
ليس هناك سكرتير يقول: انتهى وقت المقابلات.
ولا حارس يقول: عُد غدًا.
ولا هاتف آلي يخبرك أن جميع الموظفين مشغولون.
ملك الملوك ينادي عباده.
وأغرب ما في الحكاية أننا نبحث أحيانًا عمن يسمعنا، بينما باب السميع مفتوح.
نشكو إلى إنسان قد يعجز.
ونطرق بابًا قد يُغلق.
ونتعلق بسبب قد ينقطع.
ثم ننسى الباب الذي لا يعجز صاحبه شيء.
إن عندك مشكلة؟
قم.
عندك ذنب؟
استغفر.
عندك حلم تأخر؟
اسأل.
عندك وجع لا يعرفه أحد؟
ادعُ.
ولا تقل: لا أحسن الدعاء.
إن الله لا ينتظر منك قصيدة.
قل فقط:
يا رب.
كلمتان بينك وبين الأرض…
لكن السماء تعرف معناهما.
وإذا كانت رواية الثلث الأخير تدعوك إلى السَّحر، فإن رواية مسلم هذه تلفت قلبك إلى معنى أوسع: لا تجعل علاقتك بالله مؤجلة دائمًا إلى آخر الليل.
فقد يمضي ثلث الليل الأول…
وأنت ما زلت مستيقظًا.
وقد يبدأ زمن عظيم من المناجاة…
وأنت منشغل بشيء لن تتذكره غدًا.
فإذا نظرت إلى ساعتك ليلةً، وكانت تشير إلى العاشرة…
فلا تنظر إليها كرقمين على شاشة.
تذكّر أن جزءًا من الليل قد مضى.
وأن الفجر قادم.
وأن العمر كله يفعل الشيء نفسه.
يمضي.
ثم يمضي.
ثم لا يعود.
فلا تجعل ليلتك كلها للدنيا، ثم تعطي الله ما بقي من نعاسك.
فربما كان باب السماء مفتوحًا… قبل أن تغلق أنت هاتفك.
وحين يطلع الفجر، قد تشرق الشمس على المدينة كما أشرقت بالأمس، لكن قلبًا واحدًا في مكان ما سيكون قد ولد من جديد.
لأنه عرف أخيرًا أن في آخر الليل بابًا…
لا يُغلق


اترك رد