بقلم : فهد فالح

هناك أناسٌ يطوفون الأرض كلها بحثًا عن الرزق.

يسافرون.

ويتعبون.

ويحسبون.

ويخططون.

ويجمعون الأرقام فوق الأرقام.

ثم يعودون آخر الليل، وقد ازداد المال قليلًا، ونقص العمر كثيرًا.

وهناك إنسان آخر…

رفع سماعة الهاتف.

وسأل عن خالته.

وزار عمه.

وجبر خاطر أخته.

ففتح الله له أبوابًا لم تخطر له على بال.

أيُّ سرٍّ هذا؟

إنه سرٌّ يعرفه أهل السماء أكثر مما يعرفه أهل الأرض.

سرٌّ أخبرنا به النبي ﷺ قبل أربعة عشر قرنًا:

«مَن سَرَّهُ أنْ يُبْسَطَ له في رِزْقِهِ، وأَنْ يُنْسَأَ له في أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».

تأمل الحديث مرة أخرى.

لم يقل: أكثر من التجارة.

ولم يقل: اجمع المال.

ولم يقل: ابحث عن الكنوز.

قال: فليصل رحمه.

كأن مفتاحًا من مفاتيح الرزق عُلِّق في باب قريبٍ لك.

وكأن جزءًا من بركة العمر مخبأٌ في زيارة تؤجلها منذ سنوات.

العجيب أن كثيرًا من الناس يبحثون عن أسباب السعادة في الأماكن البعيدة.

بينما السعادة تنتظرهم عند باب عمٍّ قاطعه .

أو في رسالة قصيرة إلى خالٍ هجره .

أو في يدٍ تمتد لتصافح قريبًا انقطعت بينهما الطرق.

صلة الرحم ليست زيارة بروتوكولية.

وليست أداء واجب ثقيل.

وليست مجاملة اجتماعية.

إنها عبادة.

وهي من أعجب العبادات.

لأنك فيها تعالج قلبين في وقت واحد:

قلبك…

وقلب من تصل.

والبطولة ليست أن تصل من وصلك.

فهذا يفعله الجميع.

أما البطولة الحقيقية…

فأن تصل من قطعك.

وأن تبتسم لمن أعرض عنك.

وأن تفتح الباب لمن أغلقه في وجهك.

هنا يبدأ الامتحان.

وهنا تتنزل البركات.

كم من إنسان كان يملك الذكاء كله، فضاعت عليه أبواب الخير!

وكم من إنسان بسيط لا يملك إلا قلبًا رحيمًا، ففتح الله له من خزائن فضله ما أدهش الناس.

لأن الله لا ينظر إلى كثرة الحسابات.

بل إلى صدق القلوب.

والرحم ليست كلمة عابرة.

إنها مشتقة من اسم الرحمن.

ومن تعلّق بالرحمن غمرته الرحمة.

ومن وصل الرحم وصلته البركة.

ومن أحسن إليها أحسن الله إليه.

فلا تؤجل.

العمر أسرع مما تظن.

والأيام تمضي كالسحاب.

وقد يأتي يوم تتمنى فيه مكالمة لم تُجرها.

أو زيارة لم تقم بها.

أو اعتذارًا أخّرته حتى فات الأوان.

ارفع الهاتف الآن

اخطُ الخطوة الأولى الآن.

فربما كانت تلك الخطوة الصغيرة التي لا تُلقي لها بالًا…

أثقلَ في ميزان الله من سنواتٍ طويلةٍ من الانشغال بالدنيا.

وربما كانت تلك المكالمة سببًا في دعوةٍ صادقةٍ تخرج من قلب أمٍّ أو خالةٍ أو عمٍّ، فتشق طريقها إلى السماء، ثم تعود إليك رزقًا، أو عافيةً، أو فرجًا، أو سعادةً لم تكن تتوقعها.

لا تقل: غدًا.

فكثيرٌ من كلمة «غدًا» دفنت تحت التراب.

ولا تقل: ما زال الوقت طويلًا.

فالوقت لا يطرق الباب قبل أن يرحل.

إن أقسى ما يوجع الإنسان في آخر الطريق، ليس ما فعله…

بل ما كان يستطيع أن يفعله ولم يفعل.

ليس الكلمات التي قالها…

بل الكلمات التي ماتت في صدره.

وليس الأبواب التي فتحها…

بل الأبواب التي ظل واقفًا أمامها حتى أُغلقت إلى الأبد.

فبادر.

فبعض الأحبة إذا رحلوا لا تعيدهم دموع الدنيا كلها.

وبعض الفرص لا تمر مرتين.

واليوم ما زال في العمر متسع.

وما زال الهاتف في يدك.

وما زال الباب مفتوحًا.

وما زالت السماء تنتظر منك خطوة

اترك رد

اكتشاف المزيد من فهد فالح

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة