بقلم فهد فالح
في زمنٍ صار فيه اللسانُ خنجرًا…
والخبرُ رصاصة…
والنعمةُ إذا ظهرتْ صارت هدفًا…
تعلّم أول درس في النجاة:
اسكت.
ليست البطولة أن تقول كل ما عندك.
البطولة أن تعرف متى تصمت.
ليست الحكمة أن تعرض مالك للعيون.
الحكمة أن تطفئ الضوء عن كنزك.
اكتم مالك.
اكتم رزقك.
اكتم فرحتك.
اكتم الباب الذي فتحه الله لك.
اكتم الخطة قبل أن تولد.
اكتم الطريق قبل أن تمشي فيه.
اكتم الحلم حتى يصير جبلًا لا تهزه الريح.
فليست كل عينٍ تنظر إليك تدعو لك.
وليست كل أذنٍ تسمع أخبارك تفرح بك.
وليست كل يدٍ تصافحك نظيفة.
وليست كل ابتسامةٍ على الوجه سلامًا في القلب.
حولك قلوبٌ تشتعل ولا تتكلم.
عيونٌ تضحك وهي تطعن.
ألسنةٌ تبارك… ثم تذهب فتذبحك في الغيب.
هناك حاقدٌ يتمنى أن يسقط السقف فوق نعمتك.
وحاسدٌ يرى نجاحك إهانةً لفشله.
وعينٌ لا تعرف الرحمة إذا رأت رزقًا في يد غيرها.
ونفسٌ مريضة لا ترتاح حتى ترى فرحتك رمادًا.
احذر.
فبعض الأخبار إذا خرجت من فمك… خرجت معها البركة.
وبعض الأبواب إذا أعلنتها للناس… أُغلقت في وجهك.
وبعض المشاريع تموت قبل أن تولد؛ لأن صاحبها عرضها على قلوبٍ لا تعرف إلا الهدم.
المال لا يُذاع.
الرزق لا يُعلّق على الجدران.
والنعمة ليست منشورًا مفتوحًا لكل عين.
ما أعطاك الله إياه في ستر… فلا تفضحه في المجالس.
كم من رزقٍ تبدّل بعد الثرثرة!
وكم من صفقةٍ انكسرت بعد إعلانها!
وكم من بيتٍ دخله الخراب من باب الكلام!
وكم من مشروعٍ كان سيكبر… فخنقه صاحبه بلسانه!
احفظ سرك.
لا تمنحه لكل قريب.
ولا تسلمه لكل صديق.
ولا تضعه في أذن كل مستمع.
فليس كل قريب أمينًا.
وليس كل صديق نقيًا.
وليس كل ساكت بريئًا.
وليس كل من قال: “ما شاء الله” خرجت من قلبه صادقة.
تعلّم أن تفرح بصمت.
أن تربح بصمت.
أن تبني بصمت.
أن تصعد بصمت.
أن تجعل نجاحك يمشي على قدمين قبل أن تعلن ميلاده.
دعهم لا يعرفون كم تملك.
ولا إلى أين وصلت.
ولا ماذا تخطط.
ولا أي باب فُتح لك.
ولا أي رزق ساقه الله إليك.
فالسر إذا بقي في صدرك كان جنديًا يحرسك.
فإذا خرج من فمك صار عدوًا عليك.
الكتمان ليس خوفًا.
الكتمان عقل.
والصمت ليس ضعفًا.
الصمت حصن.
ومن كشف كل شيء… فقد عرّى نفسه أمام سهام لا تُرى.
احفظ مالك.
احفظ رزقك.
احفظ نعمتك.
احفظ خطتك.
احفظ قلبك من غباء الثرثرة.
فمن حفظ سره… حفظ الله عليه طريقه.
ومن صان نعمته… بارك الله له فيها.
ومن أغلق فمه عن الناس… فتحت له أبواب لا تُفتح للثرثارين.

اترك رد