بقلم فهد فالح

تحت سقف كل بيت… رجل يؤجل.
وامرأة تؤجل.
وقلب يؤجل.
وروح تقول لنفسها: غدًا.

غدًا أتوب.
غدًا أصلّي كما ينبغي.
غدًا أعتذر.
غدًا أزور أمي.
غدًا أضم ابني إلى صدري.
غدًا أغلق باب المعصية.
غدًا أفتح باب الله.

وغدًا هذه… مقبرة كبيرة.

كم من رجل دخل فراشه وهو يقول: غدًا.
ثم خرج منه إلى المغسلة.
وكم من شاب علّق توبته على موعد قريب، فجاءه الموت قبل الموعد.
وكم من خصومة بقيت معلّقة لأن صاحبها قال: سأصالحه بعد حين، فإذا بالحين يتحول إلى نعش، وإذا بالكلمة التي لم تُقَل تصبح جمرة في القلب.

نحن نعيش كأن الموت خبر يخص الآخرين.
نقرأ أسماء الراحلين.
نمشي خلف الجنائز.
نسمع بكاء الثكالى.
نقف عند القبور لحظات.
ثم نعود إلى الدنيا كأننا استثناء من القانون.

كأن الأرض لن تفتح فمها لنا.
كأن الكفن لا يعرف مقاسنا.
كأن ملك الموت سيمر على الأبواب كلها… إلا بابنا.

يا لغرور الإنسان!

الموت لا يستأذن.
لا ينتظر أن تكمل مشروعك.
لا ينتظر أن ترتب أوراقك.
لا ينتظر أن تعتذر لمن جرحت.
لا ينتظر أن تكبر ابنتك.
لا ينتظر أن تفرغ من بناء بيتك.
لا ينتظر أن تشبع من الدنيا.

إنه يأتي في منتصف الجملة.
في منتصف الضحكة.
في منتصف الصفقة.
في منتصف الطريق.
في منتصف الحلم.

ثم ينتهي كل شيء كان يملأ عينيك.
ويبقى شيء واحد:

ماذا قدمت؟

قال الله تعالى:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾
[آل عمران: 185]

لم يقل: كل نفس سامعة بالموت.
ولا قال: كل نفس ناظرة إلى الموت.
بل قال: ذائقة.

كأن الموت كأس.
كلنا سيشربه.
الغني والفقير.
الصحيح والمريض.
الشاب والشيخ.
من يسكن القصر، ومن ينام على الرصيف.

كلنا على الطريق نفسه.
لكن بعضنا يمشي مستيقظًا.
وبعضنا يمشي مخدوعًا.

وجاء النبي ﷺ يوقظ القلوب بكلمة لا تجامل:
«أكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت»
رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه.

هاذم اللذات.
أي محطمها.
مزلزلها.
كاشف زيفها.

لأن الإنسان إذا ذكر الموت وهو على معصية… بردت الشهوة في عينه.
وإذا ذكر الموت وهو في خصومة… صغر الانتقام في صدره.
وإذا ذكر الموت وهو يجمع المال من حرام… ارتجفت يده.
وإذا ذكر الموت وهو يؤخر الصلاة… سمع في داخله نداءً يقول: وماذا لو كانت هذه آخر صلاة؟

الموت ليس عدوك إن فهمته.
الموت مستشارك.

اجلس معه كل صباح.
لا تخف منه.
اسأله:

لو كان هذا اليوم آخر يوم في عمري، فكيف أعيشه؟
من أزور؟
ممن أعتذر؟
أي ذنب أترك؟
أي صلاة أحسنها؟
أي صدقة أخرجها؟
أي كلمة طيبة أقولها؟
أي باب إلى الله أفتحه قبل أن يُغلق الباب؟

عندها سيعيد الموت ترتيب حياتك.

سيقول لك: هذه المعركة لا تستحق.
وهذا الحقد حمل ثقيل.
وهذا المال لن يدخل قبرك.
وهذه الشهرة لن تدفع عنك سؤال الملكين.
وهذه اللذة ساعة، ثم حساب.
وهذه الصلاة نور.
وهذه الدمعة في السجود كنز.
وهذا العفو رفعة.
وهذه الصدقة ظل.
وهذا القرآن صاحب في الوحشة.

الموت إذا صار مستشارًا… لا يطفئ الحياة.
بل ينقذها من التفاهة.

من ينسى الموت يبيع عمره بالرخيص.
يغضب لأتفه كلمة.
يحزن على أدنى خسارة.
يحسد الناس على ما لا يبقى.
يجمع كأنه خالد.
ويؤجل كأنه ضامن.

أما من يذكر الموت، فيعيش أعظم.
يحب أنقى.
يعفو أسرع.
يصلي أصدق.
يعطي أوسع.
يترك الحرام أهون.
ويرى الدنيا بحجمها الحقيقي.

قطرة.
ظل.
طريق.
محطة.
لا وطن.

وقد كان السلف إذا ذكروا الموت انتفضت قلوبهم.
لأنهم فهموا الحقيقة التي نهرب منها:

كل يوم يمر يأخذ شيئًا منا.
كل شروق يقربنا خطوة.
كل نفس يخرج لا يعود.
كل ساعة تمضي تكتب في الصحيفة، لا تمزح، ولا تنسى.

قال الحسن البصري رحمه الله:
يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومك ذهب بعضك.

كلمة كالسيف.

أنت لست كتلة من اللحم والدم فقط.
أنت أيام.
إذا احترق يوم في الغفلة، احترق جزء منك.
إذا مات يوم بلا صلاة خاشعة، بلا توبة، بلا خير، بلا أثر… فقد مات بعضك قبل موتك.

تخيل الآن.
لا تهرب.

تخيل أنك على المغسلة.
جسدك ساكن.
يداك اللتان بطشتا أو تصدقتا… ساكنتان.
لسانك الذي اغتاب أو ذكر… صامت.
عينك التي نظرت إلى الحرام أو بكت من خشية الله… مغلقة.
والناس حولك يقولون:
رحمه الله.

ثم تُحمل.

ليس إلى بيتك.
ولا إلى مكتبك.
ولا إلى مجلسك.
ولا إلى حسابك البنكي.
بل إلى حفرة ضيقة.

هناك لا ينفعك إلا ما قدمت.
لا ينفعك لقب.
ولا مال.
ولا شهرة.
ولا مدح.
ولا تصفيق.

هناك تسقط الأقنعة.
وتبقى الحقيقة.

قال تعالى:
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
[الشعراء: 88-89]

القلب السليم هو رأس المال الحقيقي.
قلب لا يعبد الدنيا.
لا يحمل حقدًا.
لا يصر على معصية.
لا يبيع آخرته بلحظة.
لا يتكبر على التوبة.

يا صاحبي…

لا تجعل الموت واعظًا في المقبرة فقط.
اجعله مستشارًا في مكتبك.
في بيتك.
في جوالك.
في صلاتك.
في غضبك.
في تجارتك.
في علاقتك بأهلك.

إذا هممت بمعصية، فاسأله:
أترضى أن تموت عليها؟

إذا أردت ظلم إنسان، فاسأله:
أتحب أن تلقى الله بها؟

إذا اشتد غضبك على زوجتك أو ولدك، فاسأله:
لو مات الآن، أهذه آخر كلمة تريد أن يسمعها منك؟

إذا قسوت على أمك أو أبيك، فاسأله:
إذا غابا تحت التراب، هل ستشتري دقيقة واحدة معهما بمالك كله؟

الموت يختصر المواعظ.
يضرب على الطاولة ويقول:
استيقظ.

لا وقت للكراهية.
لا وقت للتسويف.
لا وقت للكبر.
لا وقت لحرب صغيرة تأكل عمرك.
لا وقت لقلب ممتلئ بالدخان.

أمامك فرصة واحدة اسمها: الآن.

الآن تب.
الآن صلِّ.
الآن اعتذر.
الآن سامح.
الآن اترك الذنب.
الآن افتح المصحف.
الآن أرسل رسالة بر.
الآن تصدق.
الآن قل: يا رب.

لا تقل: غدًا.
غدًا ليست ملكك.
غدًا قد يأتي وأنت تحت التراب.
غدًا قد تطلع شمسه على بيتك… ولا تطلع عليك.

فاجعل الموت مستشارك، لا جلادك.
واجعله بوصلتك، لا فزعك.
واجعله يوقظك، لا يشلك.

فالحياة لا تكتمل بطولها.
تكتمل بصدقها.
والعمر لا يقاس بعدد السنين.
يقاس بما حملته إلى الله.

وآخر الحقيقة… أول النجاة:

سترحل.
نعم، سترحل.
وسيرحل معك عملك وحده.

فانهض الآن.
اغسل قلبك.
صحح نيتك.
أحسن صلاتك.
واكتب في صحيفة هذا اليوم شيئًا يستقبلك في قبرك بالنور.

فأصدق خبر في حياتك كلها…
أنها ستنتهي.

اترك رد

اكتشاف المزيد من فهد فالح

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة