«نظام الطيبات»… عندما تصبح الملعقة نظريةً في الطب!

بقلم: فهد فالح

كان الرجل طبيبًا.

وهذه حقيقة.

وكان تخصصه الموثق: التخدير والعناية المركزة وعلاج الألم. وهذه حقيقة أخرى لا تحتاج إلى مخدر! 

‎⁨نظام-الطيبات-في-ميزان-الطب-المبني-على-الدليل⁩.docx

لكن الحكاية بدأت يوم ضاقت غرفة العمليات عن أحلامها، فخرج الطبيب من بين أجهزة التخدير، وعبر ممرات المستشفى، ثم فوجئنا به على مائدة الطعام يحمل بدل سماعة الطبيب… قائمة!

هذا يؤكل.

وهذا يُترك.

هذا من «الطيبات».

وذاك يُزاح إلى الضفة الأخرى!

ثم اتسعت الدائرة.

من الطعام إلى السكري.

ومن السكري إلى السرطان.

ومن السرطان إلى زراعة الأعضاء.

ومنها إلى المناعة.

حتى خُيِّل إليّ أن الطب لم يعد عشرات التخصصات، وإنما صار غرفة واحدة… ومفتاحها في جيب طبيب التخدير!

ولا أقول هذا انتقاصًا من التخدير.

بل العكس.

التخدير من أدق فنون الطب؛ فالطبيب فيه يقف بين وعي الإنسان وغيابه، ويراقب النفس والنبض والضغط والحياة لحظة بلحظة.

لكن عظمة التخصص لا تمنح صاحبه جواز سفر دبلوماسيًا إلى كل تخصصات الطب.

فطبيب القلب لا يصبح جراح مخ لأنه أحب الدماغ.

وطبيب العيون لا يصبح مرجعًا في الكلى لأنه قرأ ورقتين.

والشهادة تقول لنا: من أنت؟

أما الدليل فيقول لنا: هل ما تقوله صحيح؟

وهنا تبدأ المفارقة!

فتشتُ في «نظام الطيبات» عن الجوهرة التي لم يعرفها البشر.

وجدت:

لا تُسرف في الطعام.

قلت: جميل.

قلل الأغذية فائقة التصنيع.

قلت: أحسنت.

قد يناسب الصيام بعض الناس.

قلت: صحيح في حدوده.

للخل آثار استقلابية محدودة محتملة.

قلت: هذا بحثه العلماء.

حسّن نمط حياتك.

قلت: ومن يعترض؟

ثم رفعت رأسي وسألت:

وأين الاكتشاف؟

فالاعتدال لم يولد في مقطع فيديو.

والصيام لم ينتظر قناة على الإنترنت ليكتشفه البشر.

وأبحاث الخل أقدم من شهرة النظام.

والحديث عن أضرار الأغذية فائقة التصنيع له أدبياته العلمية المستقلة.

بل إن التقرير الذي فحص هذه الدعاوى انتهى إلى العبارة التي تصلح شاهد قبر لكل ادعاء بالأسبقية:

ما صحَّ فيه سابقُ الثبوت مستقلُّ الدليل، وما اختص به لا يصبح علمًا حتى يقوم عليه البرهان. 

‎⁨نظام-الطيبات-في-ميزان-الطب-المبني-على-الدليل⁩(6).docx

بعبارة أبسط:

أجمل أثاث البيت كان موجودًا قبل أن يُبنى البيت!

فإذا قالوا:

لكنه دعا إلى عدم ملء البطن!

قلت:

رحمكم الله…

قبل أن يولد «نظام الطيبات» بقرون، قال الله:

﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾.

وقال النبي ﷺ:

«ما ملأ آدمي وعاءً شرًا من بطن…»

فهل صار نقل الشمس إلى ورقة بيضاء اختراعًا للمصباح؟!

لكن الطريف حقًا يبدأ عند المائدة.

البيض في قفص الاتهام.

البقوليات تستدعى للتحقيق.

بعض الخضراوات تنتظر الحكم.

والألبان تدخل المحكمة!

ولو امتدت القائمة فصلًا آخر، لخِفت أن أجد البقدونس في آخر الصفحة يطلب محاميًا!

وهنا ليس الاعتراض على أن يمنع الطبيب طعامًا عن مريض.

هذا هو الطب.

قل لمريض الكلى: خفف طعامًا معينًا.

قل لمريض السكري: راقب الكمية.

قل لمن يؤذيه الحليب: لا تشربه.

كل ذلك مفهوم.

لكن بين قولك:

«هذا لا يناسب هذا المريض»

وقولك:

«هذا لا يناسب البشر»

بحر كامل من العلم!

والطب لا يبني الجسور فوق هذا البحر بالانطباعات.

ثم جاء الاسم.

وهنا العبقرية التسويقية!

«الطيبات».

ومن يجرؤ على الاعتراض على الطيبات؟

ثم يظهر على الجانب الآخر لفظ:

«الخبائث».

وفجأة لم تعد القضية بين طبق وطبق…

بل كأنها انتقلت من الثلاجة إلى المصحف!

وهنا يجب أن يتوقف الطبيب عند الباب.

لأن الله تعالى يقول:

﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾.

ويقول سبحانه:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾.

فالطبيب يستطيع أن يقول:

هذا ضار بهذه الكمية.

وهذا غير مناسب لهذا المريض.

وهذا يتعارض مع هذا الدواء.

لكن إذا استُعمل «الطيب» و«الخبيث» بمعناهما الشرعي، فقد انتقلنا من الطب إلى التشريع.

والطبيب هنا ليس صاحب الختم.

فالشرع له ميزانه، والطب له ميزانه؛ وهذه إحدى أهم النتائج التي انتهى إليها التقرير نفسه. 

‎⁨نظام-الطيبات-في-ميزان-الطب-المبني-على-الدليل⁩(6).docx

ثم تأتي الحجة الأعجب:

الخل مفيد!

حسنًا.

وهل إذا كانت نافذة البيت جميلة صار أساس البيت سليمًا؟

الصيام له فوائد محتملة؟

جميل.

وهل صحة صفحة واحدة تصدق الكتاب كله؟

هذه ليست طريقة العلم.

الدليل على الخل للخل.

والدليل على الصيام للصيام.

والدليل على تقليل الأغذية المصنعة لها.

ولا يوجد بينها شيك مفتوح باسم «نظام الطيبات».

بل لم يجد التقرير، في حدود بحثه، تجربة عشوائية محكمة تختبر النظام نفسه بوصفه بروتوكولًا علاجيًا متكاملًا. 

‎⁨نظام-الطيبات-في-ميزان-الطب-المبني-على-الدليل⁩.docx

وفي عصر مواقع التواصل ظهرت كلية طب جديدة:

مليون مشاهدة = حقيقة!

مليونان = دراسة!

خمسة ملايين = إجماع علمي!

لكن البنكرياس لا يشاهد المقاطع.

والورم لا يضغط «إعجاب».

والكلية المزروعة لا تعرف «الترند».

والجسد لا يجامل المشهور.

إنه يسأل سؤالًا واحدًا:

هل هذا ينفع… أم لا؟

وأخيرًا…

لستُ ضد طبيب التخدير لأنه طبيب تخدير.

أنا ضد أن تتحول الشهادة الواحدة إلى مفتاح لكل أبواب الطب.

ولست ضد الاعتدال، ولا الصيام، ولا تقليل الطعام المصنع، ولا ما ثبت من آثار الخل.

لكن المفارقة التي لا يستطيع الضجيج دفنها هي:

ما صحَّ في النظام لم يكن جديدًا، وما بدا أكثر خصوصية فيه هو أكثر ما يحتاج إلى البرهان.

والله وسّع على عباده في الطيبات، فلا نجعل المائدة حقل ألغام.

والطب أكرم من أن يصبح قائمة ممنوعات.

والدين أعظم من أن نستعير ألفاظه لتزيين فرضية.

فخذ ما ثبت.

ودع ما لم يثبت.

ولا تسأل أولًا:

من قال؟

اسأل:

أين الدليل؟

ففي غرفة العمليات قد نحتاج إلى طبيبٍ يُخدّر الجسد…

أما خارجها،

فاحذروا أن يُخدَّر العقل!

اترك رد

اكتشاف المزيد من فهد فالح

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة