بقلم: فهد فالح

أكتب إليك اليوم…

لا لأعلّمك كيف تحب.

فالحب حين يولد لا يحتاج إلى معلّم!

ولكن لأذكّرك كيف تحافظ عليه حين يكبر…

حين ينصرف المهنئون.

وتُطوى ثياب العرس.

وتسكن صورة الزفاف في إطار على الجدار.

فهنا لا تنتهي قصة الحب…

هنا يبدأ امتحانها!

أكبر وهم يقع فيه العرسان أنهم يظنون أن القلوب إذا التقت انتهت الرحلة.

والحقيقة أن الزواج ليس محطة الوصول…

بل أول الطريق!

قبل أن يجمعهما بيت واحد، كان الزوجان يصنعان ألف مناسبة لكي يلتقيا.

وبعد أن جمعهما البيت…

قد يؤجلان اللقاء وهما في غرفة واحدة!

كان كل حديثٍ عيدًا.

وكل رسالةٍ هدية.

وكل غيابٍ يشعل الشوق.

ثم أصبحت الكلمات واجبات.

والنظرات عادات.

وأصبح الحضور من شدّة حضوره…

كأنه غياب!

الحب لا يموت فجأة.

لا تسقطه رصاصة واحدة.

إنه يموت بالتقسيط!

تقتله كلمة جميلة أُجّلت.

ونظرة حانية بخلنا بها.

واعتذار وقف طويلًا على الشفتين ثم عاد.

وهاتف جلس بين وجهين كانا يومًا لا يملّان النظر أحدهما إلى الآخر!

حتى يستيقظ الزوجان ذات صباح، فيجدان أنهما يعرفان مواعيد بعضهما…

ولا يعرفان ما في قلب بعضهما!

يعيشان تحت سقف واحد…

لكن بين القلب والقلب شارعٌ طويل لا يعبره أحد!

وأخطر ما يهدد البيوت ليس دائمًا الفقر.

ولا الخلاف.

ولا الأزمات الكبيرة.

فالعاصفة حين تهبّ يسمع الجميع صوتها، فيغلقون النوافذ ويحمون البيت.

لكن الخطر الحقيقي قد يأتي بلا صوت.

يمشي على أطراف أصابعه.

ويدخل من ثقب صغير اسمه:

الملل!

الملل قاتل لا يطرق الباب.

ولا يحمل سكينًا.

ولا يترك في مسرح الجريمة قطرة دم!

إنه يسرق ضحكة كل ليلة.

وكلمة كل صباح.

ونظرة كل أسبوع.

حتى لا يبقى من الزواج إلا عنوان البيت!

يصبح الغداء في الموعد نفسه.

والحديث بالكلمات نفسها.

والوجوه بالتعب نفسه.

ويتحول اليوم إلى نسخة باهتة من الأمس…

والأمس إلى كفنٍ للغد!

والعلاج ليس رحلة إلى أقاصي الأرض.

ولا هدية باهظة تُصيب الجيب بالدُّوار.

فقد يسافر اثنان إلى أجمل مكان…

ويحملان معهما صمتهما القديم!

وقد يجلسان في ركن صغير من البيت…

فتُشرق الدنيا بينهما من جديد!

إن أكسجين الحب هو التجديد.

والتجديد ليس رفاهيةً للأغنياء.

ولا زينةً نلجأ إليها عندما يفيض الوقت.

إنه شريان الحياة الذي يبقي القلب نابضًا.

فالبيوت لا تعيش بالخبز وحده…

إنها تعيش بالكلمة التي تجعل للخبز طعمًا!

والتجديد لا يعني دائمًا أن تغيّروا الأثاث…

بل أن تغيّروا العين التي تنظر إلى من يجلس عليه.

ولا أن تبحثوا عن مكان جديد…

بل أن تكتشفوا من جديد الإنسان الذي يعيش معكم في المكان القديم.

أن تقول لشريك عمرك كلمة حلوة في غير موعدها.

أن تضع الهاتف بعيدًا…

وتجلس قريبًا.

أن تسأل:

كيف حال قلبك؟

لا أن تكتفي بالسؤال:

ماذا ينقص البيت؟

أن تكتب رسالة صغيرة، لا لأن هناك مناسبة…

بل لأن هناك إنسانًا يستحق.

أن تصنعا من كوب شايٍ عادي جلسةً لا تُنسى.

أن تغيّرا مكان جلوسكما، أو طريق نزهتكما، أو طريقة حديثكما.

فأحيانًا لا يحتاج القلب إلى حياة جديدة…

بل إلى نافذة جديدة يدخل منها الضوء!

وأخرجوا أطباق الضيوف الجميلة من خزائنها!

كلوا فيها أنتم.

واشربوا في أجمل أكوابكم.

فالزوجان أولى بالجمال من الغرباء!

يا للعجب!

نهيئ أجمل ما في البيت لضيفٍ يقيم ساعة…

ثم نقدم لشريك العمر ما تبقّى من الوقت والمزاج!

نلبس للناس أجمل ثيابنا.

وننتقي لهم ألطف كلماتنا.

ونوزع عليهم ابتساماتنا.

ثم نعود إلى أحب الناس إلينا…

بوجهٍ أتعبه الناس!

إن الذين يعيشون معك العمر كله أحقّ الناس بأجمل ما فيك…

لا بما أبقاه الآخرون منك!

الحب لا يحتاج كل يوم إلى قصيدة.

لكنه يحتاج إلى كلمة تمنعه من التحول إلى وظيفة.

ولا يحتاج كل أسبوع إلى هدية.

لكنه يحتاج إلى لفتة صغيرة تقول:

ما زلت مهمًّا في عيني.

التجديد هو أن تقول لشريك عمرك دون أن تنطق:

أنا لا أعيش معك بقوة العقد وحده…

بل بقوة الاختيار.

وما زلت أختارك كل يوم!

لا تجعلوا بيوتكم متاحف لليلة زفافٍ مضت.

فصورة العرس تحفظ الابتسامة…

لكنها لا تستطيع أن تعيدها!

اجعلوا بيوتكم حدائق.

كل يوم فيها كلمةٌ زهرة.

ولفتةٌ عطر.

وامتنانٌ ماء.

فالزهرة لا تطلب نهرًا كل يوم…

إنها تطلب قطرةً لا تنقطع!

والحب كذلك.

لا تقتله قلة المعجزات…

بل تقتله قلة اللفتات!

جددوا حبكم قبل أن تضطروا إلى ترميمه.

واسقوه قبل أن يرفع إليكم أوراقه الذابلة.

فالحياة أقصر من أن نقضيها نستدفئ بذكرى ليلة زفاف مضت…

وأجمل من أن نتركها تموت في زحام العادة!

فِكْرَة:

الحب لا يشيخ لأن السنين تمرّ عليه…

بل يشيخ حين تمرّ السنين، ولا تمرّ عليه يدٌ حانية!

فاسقوا الحب كل يوم…

تبقَ في بيوتكم زهرةٌ لا تموت!

اترك رد

اكتشاف المزيد من فهد فالح

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة