حين خرج طبيب التخدير من غرفة العمليات إلى الثلاجة!

بقلم: فهد فالح

خرج الرجل من بين أجهزة التنفس وشاشات النبض، خلع قفاز التخدير، ونفض عن كتفيه غبار الجرعات، ثم وقف في ممر الطب الطويل كفاتحٍ عاد من معركة، وقال بلسان الحال:

«استريحوا يا أطباء العالم… لقد وجدتُ السر أخيرًا في الثلاجة!»

والرجل طبيب، نعم. وتخصصه الموثق: التخدير والعناية المركزة وعلاج الألم⁩.

ولا بأس أن يقرأ طبيب التخدير في التغذية؛ لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الشهادة الواحدة إلى جواز سفر دبلوماسي لكل تخصصات الطب!

فطبيب القلب لا يصبح جراح مخ لأنه أحب الدماغ، وطبيب العيون لا يطالب «ناسا» بتعديل مدار القمر لأنه رآه واضحًا بالنظارة!

دخلتُ «نظام الطيبات» أبحث عن الفتح العظيم…

فوجدت المفاجأة:

أجمل ما فيه… كان موجودًا قبله!

لا تُسرف؟

قالها القرآن:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾.

الصيام؟ قديم.

الخل؟ سبقته الأبحاث.

تقليل الأغذية فائقة التصنيع؟ له أدبياته المستقلة.

فجاءت الخلاصة كطلقة لا تخطئ:

ما صحَّ فيه سابقُ الثبوت مستقلُّ الدليل، وما اختص به لا يصبح علمًا حتى يقوم عليه البرهان⁩ .

ثم تبدأ مسرحية المائدة!

البيض في قفص الاتهام!

البقوليات تنتظر الكفالة!

الألبان تستأنف الحكم!

والبقدونس يصرخ من آخر الصحن:

«يا قوم… أنا مجرد زينة!»

ثم جاءت العبقرية التسويقية:

«طيبات» و«خبائث»!

لينتقل من الثلاجة الى الدين.

وهنا يتوقف الضحك.

فالطبيب يستطيع أن يقول: هذا الطعام لا يناسب هذا المريض.

أما أن يتحول الاصطلاح الغذائي إلى حكم شرعي، فذلك باب آخر؛ للشرع ميزانه، وللطب ميزانه.⁩

الخلاصة؟
التخدير له غرفة.
والملعقة لها مائدة.
والدليل له الكلمة الأخيرة.
وفي غرفة العمليات نحتاج طبيبًا يُخدّر أجسادنا كي تنام الآلام…
أما عند مائدة العلم:
فاحذروا عقلًا نائمًا… وملعقةً مستيقظة!
فالجسد يستيقظ بعد ساعات من مفعول المخدر…
أما العقول التي تُخدّرها «الملاعق»، فقد تنام أعواماً طويلة،
قبل أن تكتشف أن الطب كان يبحث عن برهان،
بينما كانت هي تُعالج بالوهم في «طبق شوربة»!

اترك رد

اكتشاف المزيد من فهد فالح

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة