بقلم : فهد فالح
رأسٌ طار… لأن الغضب سبق العقل
حين أردت أن أكتب عن الغضب…
لم أفتح كتب الطب.
ولم أقرأ تقارير المحاكم.
ولم أفتش في ملفات السجون.
وقفت…
أمام رأسٍ طار.
وأمام أبٍ انكسر.
وأمام أمٍ لم يبق في عينيها دموع.
وأمام معلم…
كان يحمل في يده شهادة تفوق…
ثم حمل بعد سنوات…
قصة قصاص.
لقد رأيت في حياتي طلابًا كثيرين.
رأيت العبقري.
ورأيت الكسول الذي صار نابغة.
ورأيت الفقير الذي صار وزيرًا.
لكنني…
ما رأيت مأساةً هزت قلبي…
كما هزتني مأساة ذلك الفتى.
كان إذا دخل الفصل…
دخل معه الأدب.
وكان إذا تكلم…
أنصت الضجيج.
وكان إذا ابتسم…
شعرت أن المستقبل يبتسم له.
لم يكن طالبًا متفوقًا فحسب…
بل كان مشروع حياة.
كنت أنظر إليه…
وأقول في نفسي:
هذا الفتى…
لن يكون رقمًا بين الناس.
سيكون رجلًا…
يُشار إليه بالبنان.
لكن الإنسان…
لا يهدمه الفشل دائمًا.
أحيانًا…
يهدمه النجاح إذا صاحبه الغرور.
ويهدمه صديق.
ويهدمه غضب.
ويهدمه قرار…
استغرق ثانية واحدة.
⸻
كل الكوارث…
لا تبدأ بكارثة.
الطوفان…
يبدأ بقطرة.
والحريق…
يبدأ بشرارة.
والقتل…
يبدأ بكلمة.
كلمة ساخرة.
نظرة احتقار.
دفعة كتف.
ثم يقول الناس:
“إنها مشاجرة بسيطة.”
لكن…
هل سألت النار يومًا…
كم كان حجم الشرارة التي أشعلتها؟
⸻
عاد إليَّ يومًا…
وعيناه تشتعلان.
ورأيت في وجهه شيئًا لم أره من قبل.
لم يكن الغضب في عينيه…
بل كان الغضب قد جلس على مقعد العقل.
قلت له:
يا بني…
إياك والغضب.
فالغضب…
أسرع طريق…
من القلب…
إلى المقبرة.
ابتسم…
ابتسامةً قصيرة.
وقال:
“من لا يأخذ حقه…
ليس رجلًا.”
فقلت في نفسي…
كم من رأسٍ ستقطعها هذه الجملة…
قبل أن تموت.
⸻
لم يقتله السلاح.
بل قتلته الفكرة.
ولم يجره الشيطان من يده.
بل دفعه بكلمة.
ولم يكن أصدقاء السوء يحملون البنادق.
كانوا يحملون التصفيق.
وكان التصفيق…
أشد فتكًا من الرصاص.
قال أحدهم:
“لن تسكت.”
وقال الثاني:
“خذ حقك بيدك.”
وقال الثالث:
“دعهم يعرفون من أنت.”
وهكذا…
دخل الشيطان…
من باب الرجولة الزائفة.
⸻
خرج…
ولم يكن يعلم…
أنه خرج من المدرسة…
ولن يعود إليها أبدًا.
خرج ليبحث عن انتصار.
فعاد…
يحمل أكبر هزيمة في حياته.
ثانية واحدة…
رفعت يدًا.
وثانية أخرى…
أسقطت رجلًا.
وثالثة…
أسقطت مستقبلًا كاملًا.
في لحظة…
مات رجل.
وفي اللحظة نفسها…
ماتت أحلام شاب.
ليس كل القتلى…
يُدفنون في المقابر.
بعضهم…
يُدفنون وهم أحياء.
داخل زنزانة.
داخل ضمير.
داخل كلمة اسمها…
“ليت.”
⸻
زرته بعد سنوات.
لم أجد الطالب الذي كنت أعرفه.
وجدت رجلًا…
غسل الدمع ما بقي من كبريائه.
وجدت مصحفًا…
لا يغادر يديه.
وسجودًا…
يكاد يذيب الحجر.
وبكاءً…
لو سمعته الجبال لتصدعت.
قال لي:
يا أستاذ…
ليتني غضبت على نفسي…
قبل أن أغضب من صاحبي.
ليتني سمعت نصيحتك.
ليتني سكت.
ثم سكت…
وبكت عيناه.
وعرفت يومها…
أن أقسى كلمة في اللغة…
ليست “الموت”.
بل…
“ليت.”
⸻
تحرك أهل الخير.
وسعى المصلحون.
وطُرقت الأبواب.
وبُذلت الأموال.
ورُفعت الأكف إلى السماء.
لكن الدم…
إذا سال…
ترك جرحًا…
لا يداويه الكلام.
ولأولياء الدم…
حق جعله الله لهم.
فلم يتم الصلح.
⸻
وجاءت الليلة الأخيرة.
ليلة…
لا تشبه ليالي الدنيا.
كتب وصيته.
وقبّل المصحف.
وأطال السجود.
وكان كلما رفع رأسه…
نظر إلى السماء…
كأنه يقول:
يا رب…
ما عاد لي إلا رحمتك.
ثم طلع الصباح.
ووقف الأب…
ينظر إلى ابنه.
أي لغة تستطيع أن تصف تلك النظرة؟
وأي قلم…
يكتب دمعة أب…
يرى فلذة كبده…
يمشي إلى آخر خطوة في حياته؟
⸻
خرجت من ذلك المشهد…
ولم أسأل نفسي:
كيف قتل؟
بل سألت:
كيف استطاع الغضب…
أن يسرق عمرًا كاملًا…
في ثانية؟
أيها الآباء…
لا تعلموا أبناءكم…
كيف ينتصرون على الناس.
علموهم…
كيف ينتصرون على أنفسهم.
وأيها الأبناء…
إياكم ورجولةٍ تصنعها أصوات المتهورين.
فالرجولة…
ليست يدًا تضرب.
ولا صوتًا يعلو.
ولا خصمًا يسقط.
الرجولة…
أن يغضب قلبك…
ويبقى لسانك هادئًا.
أن تشتعل نارك…
ولا تحرق أحدًا.
أن تستطيع…
وأنت في قمة الغضب…
أن تقول:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
فكم من بيتٍ بقي عامرًا…
لأن رجلًا كظم غيظه.
وكم من أمٍ بقيت تضحك…
لأن ابنها سكت.
وكم من أبٍ بقي يرفع رأسه…
لأن ابنه انتصر على نفسه.
ولهذا…
لم يحتج رسول الله ﷺ إلى خطبة طويلة.
اختصر طريق النجاة كله…
في كلمتين خالدتين:
«لا تغضب.»
فبين كلمةٍ تسمعها…
وكلمةٍ تقولها…
قد يكون الفرق…
بين حياةٍ كاملة…
ورأسٍ يطير.

اترك رد