بقلم : فهد فالح
يا صديقي..
ليست الحياة بعدد السنين التي نعدُّها في دفاتر العمر،
ولكنها بعدد القلوب التي تخفق لنا حين تُذكر أسماؤنا!
وكثيرون يظنون أن العمر يُقاس بحركات العقارب على صحيفة الساعة،
أو بسقوط أوراق التقويم كل صباح..
وما علموا أن الإنسان قد يعيش سبعين عاماً،
ثم يموت فلا يترك خلفه إلا رقماً في شهادة وفاة،
ورسماً خاطفاً على شاهد قبر،
وغرفة باردة كانت له ثم صارت لغيره!
وقد يرحل آخر في شرخ الشباب،
فإذا هو بعد موته يمشي في ذاكرة الناس،
ويجلس في صدر مجالسهم،
ويثمر في دعائهم كلما هبّت عليهم نسمة وفاء!
إن الراحلين حقاً ليسوا من غيّبهم التراب،
بل أولئك الذين ماتت أسماؤهم في قلوب أرحامهم وهم بعدُ أحياء يمشون بيننا!
ما أقسى أن ينبض جسدك،
بينما صوتك منطفئ في هواتف أهلك،
ووجهك غائب عن موائدهم،
وذكرك ضيف ثقيل لا يزوره حنين!
صلة الرحم ليست توقيعاً في دفتر الواجبات الاجتماعية،
ولا زفرة عابرة نسرقها من زحمة الدنيا لنخدر بها ضمائرنا..
صلة الرحم هي أن تحمل قلبك في يدك،
وتمضي به إلى قلبٍ ينتظرك منذ زمن!
هي يدٌ حانية تمسح وجع الانتظار عن وجه شيخ،
ومكالمة دافئة تضيء عيني أختٍ ظنت أن طوفان الحياة جرفك بعيداً عنها..
هي سلام يوقظ في جدران البيوت القديمة رائحة الطفولة،
وضحكات الآباء،
ودفء الأمهات.
حين تصل رحمك،
فأنت لا تخسر قطعة من وقتك،
بل تغرس في روحك عمراً جديداً.
ولا تنقص من جيبك بريال،
بل تفتح لمالك أبواب السماء!
الحب الذي تمنحه لأهلك لا يضيع في الهباء؛
إنه يعود إليك في صورة طمأنينة تثبت قلبك،
ودعوة خفية تصرف عنك بلاءً لم تره،
وستر جميل يحيط بك من حيث لا احتسب.
وقد قال الرسول ﷺ:
«من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه»..
وما أعظمها من بشارة!
فالرزق ليس أرقاماً تتكدس في الخزائن الباردة،
ولا تجارة تلمع في شاشات البنوك..
الرزق الحقيقي هو أن تنام وليس في صدرك حجر من قطيعة،
وأن يبارك الله لك في القليل حتى يصير كثيراً،
وأن تجد في قلوب أرحامك مقعداً لا يزاحمك عليه أحد.
أما طولُ العمر…
فليس أن تتكاثر أيامك على التقويم،
ولا أن تُطفئ شمعةً بعد شمعة حتى يصير رأسُك دفترًا أبيض من السنين.
طولُ العمر أن يطول أثرُك في القلوب،
وأن يبقى اسمُك بعد رحيلك نديًّا كغصنٍ مسّه المطر،
وأن يذكرك الناس لا لأنك كنت غنيًّا… بل لأنك كنت رحيمًا.
ما قيمةُ مال قارون، وبيتٍ يشبه القصر،
إذا نام صاحبُه على وسادةٍ باردة،
لا يرفعه دعاءُ قريب،
ولا يدفئ وحدتَه حنانُ أهل،
ولا تدخل غرفتَه يدٌ حانية تقول: لسنا بعيدين عنك؟
ما قيمةُ أن تملك مفاتيحَ الخزائن كلَّها،
ثم لا تملك مفتاحَ قلبٍ واحد
يدعو لك إذا غبت،
ويبكي عليك إذا رحلت،
ويبقى اسمُك حيًّا في صدره بعد أن تسكت الأرض عنك؟
يا صديقي..
بينك وبين رحمك باب،
فلا تنتظر حتى يغلقه الموت!
لا تؤجل كلمة «سامحتك»،
ولا تكتم عبارة «اشتقت إليك»..
اقرعوا أبواب أقاربكم قبل أن تطويها الأيام،
واطرحوا الكبرياء جانباً؛
فالحياة أقصر من أن نضيعها في جفاء أحمق،
وأثمن من أن نتركها فريسة لخصومة لو عُرضت على الموت لاستحيت من نفسها!
صِلوا أرحامكم؛
فهناك أمٌّ ثانية في هيئة عمة،
وأبٌ آخر في هيئة خال،
وأختٌ بعيدة لا تزال تنتظر صوتكم،
وقريبٌ لو صافحتموه اليوم لانكسر في قلبه جليد سنوات.
صِلوا أرحامكم؛
فإن القلوب إذا تباعدت صدئت،
وإذا تلاقت عادت تلمع كأنها خُلقت من جديد!
صِلوا أرحامكم؛
قبل أن تتحول الأسماء إلى صورٍ معلقة،
والأصوات إلى تسجيلاتٍ قديمة،
والبيوت إلى ذكرياتٍ مهجورة لا يسكنها إلا الصمت.
صِلوا أرحامكم؛
تُفتح لكم أبواب السماء،
وتتسع لكم الأرض،
ويبارك الله في أعماركم وآثاركم،
وتعيشوا العمر مرتين:
مرةً في أيامكم،
ومرةً في قلوب من أحبّوكم!


اترك رد