بقلم: فهد فالح
طواالأسبوع…
نركض.
نلهث.
نطرق ألف بابٍ نبحث خلفه عن السعادة…
ثم نعود آخر النهار بأيدٍ فارغة… وقلوبٍ أشدَّ فراغًا من الأيدي.
هذا يظنّها في المال.
وذاك يراها في الشهرة.
وثالثٌ يطاردها في المطارات.
ورابعٌ يستجديها من وجوه الناس.
ثم يكتشف الجميع — بعد فوات العمر، لا بعد فوات الوقت —
أن السعادة كانت أقرب إليهم من أناملهم…
لكنهم كانوا ينظرون بعيدًا.
يا لها من مأساة!
أن يغوص الإنسان إلى قاع البحر بحثًا عن الجواهر…
والجوهرة التي وضعها الله في جيبه… تنتظر يدًا لا تجيء.
وللسعادة مواسم.
وللرحمة مواعيد.
وللسماء أبوابٌ لا تُفتح إلا لمن عاش بقلبه.
ومن أعظم تلك المواعيد…
ليلة الجمعة.
ليست ليلةً تُضاف إلى الليالي…
بل ليلةٌ تُوزن بها الليالي.
فيها يودّع المؤمن أسبوعًا مضى…
ويستقبل أسبوعًا جديدًا… بقلبٍ جديد.
الناس يسمّونها ليلة إجازة…
وأهل الإيمان يسمّونها ليلة قرب.
الناس يسهرون فيها مع الدنيا…
والعارفون يسهرون فيها مع السماء.
والعجيب…
أن رسول الله ﷺ، من بين مئات القربات، خصَّ هذه الليلة بعبادةٍ واحدة… كأنها تاجها.
فقال ﷺ:
«إذا كانت ليلةُ الجمعة ويومُ الجمعة فأكثِروا من الصلاة عليَّ.»
قف عند هذه الكلمة…
«فأكثِروا».
لم يقل: صلُّوا.
قال: أكثِروا.
والفرق بينهما… كالفرق بين قطرةٍ ومطر.
إنها دعوةٌ إلى فيضان:
أن يمتلئ اللسان… حتى لا يبقى فيه موضعٌ للغفلة.
وأن يمتلئ القلب… حتى لا يبقى فيه ركنٌ للوحشة.
وأن تمتلئ الليلة نورًا… يمتدّ إلى آخر الأسبوع.
ولماذا الصلاة عليه ﷺ؟
لأنك تصلي عليه مرة…
فيصلي الله عليك عشرًا.
تصعد كلمتك واحدة…
وتنزل الرحمة أضعافًا.
فأي تجارةٍ هذه التي لا يخسر فيها أحد؟
وإذا صلى الله على عبد…
فأي همٍّ يجرؤ أن يبقى؟
وأي خوفٍ يقوى أن يقيم؟
وأي وحشةٍ تسكن قلبًا غمرته رحمة السماء؟
إن كثيرًا من الناس يدخلون ليلة الجمعة كما دخلوا سائر الليالي.
نومهم هو نومهم.
وسهرهم هو سهرهم.
وأحاديثهم هي أحاديثهم.
أما المؤمن…
فله مع هذه الليلة موعدٌ آخر.
موعدٌ مع الحبيب ﷺ.
فإذا غربت الشمس… بدأت رحلته.
لا يسبق لسانُه إلى أخبار الناس…
بل يسبق إلى الصلاة على خير الناس.
ولا يملأ ساعاته بما يفنى…
بل بما يبقى.
فيا صديقي…
إذا أقبلت عليك ليلة الجمعة…
فلا تجعل أول ضيفٍ يدخل قلبك شاشةً مضيئة…
واجعل أول ما ينطق به لسانك:
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.
ستكتشف يومها أن السعادة لم تكن بيتًا أوسع…
ولا رصيدًا أكبر…
ولا اسمًا أشهر…
بل كانت كلمةً واحدة…
تنتظرك منذ سنين…
في جيبك.


اترك تعليقاً