بقلم فهد فالح
الناس معادن.
هذه الكلمة قديمة.
لكنها اليوم تقصف الوجوه.
تضربها بلا رحمة.
هناك من إذا اقتربت منه..
شعرت أنك دخلت بستاناً.
غسله المطر.
يملأ صدرك عطراً وسكينة.
وهناك من إذا جلست إليه..
أحسست أنك حُشرت في غرفة مغلقة.
خنقتها الأدخنة.
فلا ترى طريقك.. ولا تستطيع أن تتنفس.
النبي ﷺ لخص القانون في كلمات لا تموت:
«مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَمَثَلِ حامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ».
كلمات قيلت منذ قرون..
لكنها ميزان حياة بأكملها.
الكارثة الكبرى
العجب كل العجب من هذا الإنسان!
يفتش عن البيت الأنيق.. والسيارة الفارهة.. والوظيفة البراقة.. والثوب الفاخر.
ثم يغمض عينيه عن أخطر اختيار يحدد مصيره:
الصديق.
الصديق ليس كرسياً مريحاً.
تمضي عليه ساعة ثم تقوم.
الصديق طريق.
إما صعود إلى القمة.. وإما هبوط إلى القاع.
الصديق مرآة.
تريك حقيقتك.. أو تزيف لك ضياعك.
الصديق يد خفية.
تعيد تشكيل قلبك.. وترسم مستقبلك.. وتكتب بمداد سري مصيرك.
رأيت رجالاً كانوا أنقياء كالماء.. بيض القلوب كالفجر.
فلما جالسوا أهل السوء.. تسللت العتمة إلى أرواحهم قطرة قطرة..
حتى انطفأ فيهم كل نور.. وصاروا غرباء عن أنفسهم.
ورأيت رجالاً لم يكونوا من أهل العلم الغزير ولا العبادة الطويلة..
لكنهم صحبوا الأخيار..
فإذا بالنور يقتحم قلوبهم بلا استئذان..
وإذا بالأيام تفتح لهم أبواباً للمجد لم يكونوا يحلمون بها.
حامل المسك.. الربح المضمون
يا صديقي..
حامل المسك تجارة لن تبور.
إن اشتريت منه.. ربحت.
وإن لم تشترِ.. أصابتك نفحاته الطيبة.
وإن لم يصبك إلا أثر مجلسه..
خرجت وقلبك أصفى.. وروحك أهدأ.. وخطوتك أقرب إلى الله.
هو الرجل الذي:
إذا نسيت.. ذكّرك.
إذا ضعفت.. شد أزرك.
إذا أخطأت.. نصحك ولم يفضحك.
إذا نجحت.. فرح لك ولم يحسدك.
إذا انكسرت بك الأيام.. وقف بجوارك لا فوقك.
وجوده في حياتك رحمة.
وكلامه دواء.
ومحبته رزق ساقته السماء إليك.
نافخ الكير.. حريق يمشي على قدمين
أما صاحب السوء.. فهو الكارثة المتحركة.
حريق يمشي على قدمين.
قد يضحكك اليوم..
لكنه يورثك غداً بكاءً طويلاً.
قد يفتح لك باب اللذة اللحظية..
لكنه يغلق خلفك أبواب الطمأنينة إلى الأبد.
هو المحتال الذي يغير أسماء الأشياء ليسقطك:
يزين لك الخطأ.. باسم الحرية.
ويبرر لك المعصية.. باسم التقدم.
ويشرعن لك الانحراف.. باسم الرجولة.
ويقودك إلى الطيش.. باسم الشجاعة.
ثم تستيقظ ذات يوم مذعوراً..
وتسأل نفسك:
متى بدأت هذه الظلمة؟
ومن الذي أطفأ مصابيحي؟!
احذر..
صاحب السوء لا يسرق محفظتك فحسب.
يسرق دينك.. يسرق حياءك.. يسرق سمعتك.. يسرق برك بوالديك.. يسرق عمرك كله!
ثم يتركك وحيداً في منتصف الطريق..
لا يحمل عنك وزراً.. ولا يدفع عنك ندماً.
كم من شاب ضاع مستقبله ودخل الزنزانة..
لأن جملة واحدة كانت بداية سقوطه الطوعي:
“كنت مع أصدقائي!”
كم من إنسان تحطمت حياته..
لأنه سار خلف رفيق سوء وهو يظنها نزهة قصيرة..
فإذا بها رحلة اتجاه واحد نحو الهاوية.
وهم القوة.. الحديد يصدأ
لا تقل لي باعتداد زائف:
“أنا قوي ولن أتأثر!”
الحديد يصدأ برطوبة الهواء.
الثوب الأبيض يعلق به الدخان ويقتله السواد.
الزجاج الصافي تعكره نفخة تراب عابرة.
والقلب البشري.. مهما ادعى الصلابة..
يتشرب بيئته كما تتشرب الأرض العطشى مياه المطر.
الجلوس عادة.. والعادة أثر.. والأثر يتحول مع الأيام إلى طبع.
وفي النهاية..
يظن الإنسان غباءً أنه اختار نفسه..
بينما هو في الحقيقة مجرد نسخة مكررة ممن جالسهم طويلاً.
الرصاصة الأخيرة.. اهرب من النار
فاختر لنفسك من يرفعك.. لا من يكسرك.
اختر من إذا رأيته ذكّرك بالمعالي..
لا من يصفق لك وأنت تسقط.
من يزين لك الظلام.. ويفتح لك أبواب الندم.. ويضحك وهو يدفعك نحو المقصلة..
اهرب منه كما تهرب من اللهب.
لا تجامله على حساب دينك ومستقبلك..
لا تمنحه مفتاح حياتك.
أنت لا تختار جلسة عابرة..
أنت تختار مصيراً.
ربما صافحت إنساناً في لحظة عابرة..
لكنك في الحقيقة صافحت مستقبلك كاملاً.
فإما مسك يبقى أثره في روحك أعواماً..
وإما دخان لا يترك في قلبك إلا الحسرة..
ولا في يدك إلا الرماد!

اترك رد