بقلم: فهد فالح
يا صديقي..
تعلَّم الصمت كما تعلَّمت الكلام!
فالإنسان يقضي عامين من عمره يتعلَّم كيف يتكلم، ثم يحتاج إلى بقية عمره ليتعلَّم كيف يصمت!
والكلام سهل..
كل إنسان يملك لسانًا، ولكن قليلين هم الذين يملكون لسانهم!
كل إنسان يستطيع أن يفتح فمه، ولكن الحكماء وحدهم يعرفون متى يغلقونه.
الصمت ليس عجزًا عن الجواب..
بل انتصارٌ على شهوة الجواب!
وليس ضعفًا أمام الخصم..
بل قوةٌ تملك أن تضرب، ثم تأبى أن تمدَّ يدها إلى السلاح.
وليس فراغًا في العقل..
بل عقلٌ يقف حارسًا على باب الشفتين، يقبض على الكلمة قبل أن تفلت، ويسألها:
إلى أين تذهبين؟
ماذا ستهدمين؟
أيَّ سرٍّ ستكشفين؟
وأيَّ قلبٍ ستذبحين؟
إن الكلمة تولد بلا وزن في فمك، ولكنها قد تسقط بوزن جبلٍ على قلب إنسان!
هي ريشةٌ فوق لسانك..
وصخرةٌ في صدر غيرك!
كم من بيتٍ هدمته كلمة..
وكم من صداقةٍ ذبحتها كلمة..
وكم من أخوَّةٍ ماتت في مهدها بسبب كلمة..
وكم من قلبٍ ظل ينزف سنواتٍ طويلة من جملةٍ قالها صاحبها في لحظة غضب، ثم نسيها!
نسيها القائل؛ لأنها مرَّت على لسانه..
ولم ينسها المجروح؛ لأنها استقرَّت في قلبه!
والكلمة ما دامت خلف شفتيك فأنت سيّدها، فإذا خرجت صرتَ أنت أسيرها.
تركض خلفها معتذرًا..
وتجمع شظاياها من صدور الناس..
وتحاول أن ترقِّع باعتذاراتك ما مزَّقته بلسانك.
وقد تستطيع أن تمحو صوت الكلمة من الهواء، لكنك لا تستطيع دائمًا أن تمحو أثرها من القلب!
فبعض القلوب إذا انكسرت لا تجبرها كل أعذار الأرض..
وبعض الجروح يغلقها الزمن، ولكنه لا يمحو ندبتها.
ولهذا لم يجعل الإسلام ضبط اللسان مجرد لباقةٍ اجتماعية، ولا زينةً من زينة المجالس، بل رفعه إلى منزلة الإيمان.
قال رسول الله ﷺ:
«مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». حديث متفق عليه؛ أخرجه البخاري ومسلم. تخريج الحديث
تأمَّل هذا الميزان العجيب..
لم يقل النبي ﷺ: تكلَّم أو اصمت.
بل قال:
قل خيرًا أو اصمت.
فالخير وحده هو الذي يحمل تصريح المرور من بوابة الشفتين!
أما الغيبة..
والنميمة..
والسخرية..
والشتيمة..
والخبر الذي لم تتثبَّت منه..
والسر الذي ائتمنك عليه صاحبه..
والعبارة التي تشعل خصومة..
والكلمة التي تُذكي نار الفتنة..
فخير مكانٍ لها أن تُدفن في صدرك قبل أن ترى النور!
وخير انتصارٍ عليها ألَّا تُولد!
الصمت هنا ليس سكونًا سلبيًّا..
إنه عبادة.
حين يطعنك إنسانٌ بكلمة، وتملك أن تردَّ عليه بأقسى منها، ثم تصمت ابتغاء وجه الله.. فأنت تتعبَّد.
وحين يجلس الناس حول غائبٍ يمزقون عرضه بألسنتهم، فتمنع لسانك من مشاركتهم، أو تردُّهم عنه بكلمة خير.. فأنت تتعبَّد.
وحين تحمل سرًّا يستطيع أن يجعلك نجم المجالس، فتدفنه في صدرك وفاءً لصاحبه.. فأنت تتعبَّد.
وحين تدعوك نفسك إلى السخرية من إنسان، فتتذكَّر أن الله خلقه وكرَّمه، فيسكن لسانك ويصحو ضميرك.. فأنت تتعبَّد.
وحين تسمع خبرًا مثيرًا، فتقاوم لذة السبق إلى نشره حتى تتثبَّت منه.. فأنت تتعبَّد.
إن كثيرًا من الناس يظنون أن العبادة لا تكون إلا بحركة الجوارح..
قيامًا..
وركوعًا..
وسجودًا..
وينسون أن هناك عباداتٍ يؤدِّيها اللسان بالكلام، ذكرًا ودعاءً وإصلاحًا، وعباداتٍ يؤدِّيها اللسان بأن يبقى ساكنًا حين تدعوه المعصية إلى الكلام!
إن الصمت الذي يحبس غيبةً عبادة..
والصمت الذي يصون سرًّا أمانة..
والصمت الذي يطفئ غضبًا حكمة..
والصمت الذي يمنع فتنةً نجاة!
ولكن الصمت ليس فضيلةً في كل موطن.
فحين يكون الحق محتاجًا إلى صوتك، قد يصبح الصمت تقصيرًا لا حكمة.
والصمت عن مظلومٍ تقدر على نصرته خذلان..
والصمت عن شهادةٍ واجبة كتمان..
والصمت حين يحتاج إنسانٌ إلى نصيحتك بخلٌ بالخير.
فهناك كلمةٌ يكون قولها عبادة، كما أن هناك كلمةً يكون الصمت عنها عبادة.
والحكيم ليس من يصمت دائمًا..
ولا من يتكلم دائمًا..
بل من يملك ميزانًا لا يختل:
إن كانت الكلمة حقًّا قالتها شجاعته..
وإن كانت خيرًا قالتها رحمته..
وإن كانت شرًّا حبسها إيمانه!
الحكمة أن تعرف متى تكون الكلمة دواءً، ومتى تكون داءً، ومتى يصبح الصمت أبلغ جوابٍ لا يعقبه ندم.
فلا تُجب عن كل سفاهة..
ولا تدخل كل معركة..
ولا تفتح كل بابٍ يُطرق..
ولا تمنح كل مستفزٍّ شرف إخراج أسوأ ما فيك!
بعض الناس لا يبحث عن الحقيقة..
إنه يبحث عن معركة.
لا يريد أن يسمع جوابك، بل يريد أن يجرَّك إلى وحله، حتى إذا تلطختَ به قال: كلنا سواء!
فإذا صمتَّ تركته يتشاجر وحده..
ويصارع ظلَّه..
ويرمي حجارة غضبه، فلا تعود إلا عليه!
إن بعض المعارك يكون انتصارُك فيها ألَّا تدخلها..
وبعض الكلمات يكون أقوى ردٍّ عليها أن تموت في أذن صاحبها!
اجعل بين غضبك ولسانك مسافةً يتنفَّس فيها عقلك..
وبين سماعك للخبر ونقله بابًا اسمه: التثبُّت..
وبين معرفتك للسر وإذاعته حصنًا اسمه: الأمانة..
وبين قدرتك على الإيذاء وخوفك من الله حارسًا لا ينام.
وتذكَّر قول الله تعالى:
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]. الآية وتفسيرها
كل كلمةٍ محفوظة..
وإن نسيها صاحبها!
وكل حرفٍ مكتوب..
وإن ظننتَ أن المجلس قد انفضَّ، وأن الضحكات قد انتهت، وأن الناس قد نسوا!
يا صديقي..
ليس الصمت أن يخلو فمك من الكلمات..
بل أن يمتلئ قلبك بالحكمة.
وليس القوي من يملك أقسى جواب..
بل من يملك نفسه وهو قادرٌ على الجواب.
وليس العاقل من يعرف ماذا يقول فقط..
بل من يعرف أيضًا ماذا لا يقول!
فتعلَّم الكلام لتفتح به أبواب القلوب..
وتعلَّم الصمت لتغلق به أبواب الندم.
تعلَّم الكلام لتبني الجسور بينك وبين الناس..
وتعلَّم الصمت لتبني حصونًا تحفظ دينك، وكرامتك، وسلامة قلبك، وقلوب من حولك.
وقبل أن تطلق كلمتك، ضعها لحظةً على ميزان الآخرة:
فإن كانت خيرًا.. فأطلقها.
وإن كانت حقًّا.. فلا تخف منها.
وإن كانت شرًّا.. فادفنها في صدرك؛ فليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال يحسن أن يُقال!
فربَّ كلمةٍ حبستَها فنجوت..
وربَّ كلمةٍ دفنتَها فدفنتَ معها فتنة..
وربَّ كلمةٍ أطلقتَها في لحظة غفلة، ثم قضيتَ عمرك كله تستجدي من الزمن دقيقةً واحدة تعود فيها إلى الوراء..
لتصمت!


اترك رد