Photo by Shreyaan Vashishtha on Pexels.com

بقلم : فهد فالح

نعم.. لا أُصدِّق أبداً!
هل رأيت في حياتك رجلاً يقف أمام أعظم خزائن الأرض،
يحمل في جيبه المفتاح الذهبي،
ثم يتركه يصدأ ليجلس على الرصيف جائعاً، يرتجف من البرد،
ويشكو للناس فقره؟!
هذا بالضبط هو نحن!
نُدعى إلى أكبر مائدة للرحمة،
تُفتح لنا أبواب السماء على مصراعيها، يُنادى علينا لنقترب،
لنجبر كسورنا، لنغسل أحزاننا..
ثم نلفّ ظهورنا ونمضي خالي الوفاض..
لم نستقِ من النبع الذي وقفنا على شاطئه.
نعود من حيث أتينا،
أيدينا فارغة، وقلوبنا يكسوها الجليد!
أيُّ غفلةٍ مجنونة هذه؟
أن يكون النهر تحت قدميك، ثم تموت من العطش!
تخيل أن تُمطر السماء غيثاً يحيي الأرض الميتة، والناس يركضون ليرتووا، بينما تقف أنت وحدك، تفتح مظلة من الغفلة لتقي نفسك من الرحمة .
نحن نعيش في زحامٍ يخنق الأنفاس. نمضي الساعات الطويلة نحدق في الشاشات، نبتلع الأخبار، نضحك لمقاطع عابرة، ونحرق أعصابنا في معارك وهمية.. ثم إذا جاء موعد الدواء، عجزنا عن تناوله!
كيف تعلم أن صلاتك على النبي ﷺ تُرفع إليه،
تُعرض عليه،
وتُكتب في صحيفتك،
وأن الله –جل جلاله– يُصلي عليك بها عشراً.. ثم تخرج من يوم الجمعة كما دخلت فيه؟!
أي فقرٍ تضعه بيدك في جيبك بعد هذا الغنى العظيم؟
إن الصلاة على النبي ﷺ ليست حروفاً باردة نرددها بأطراف الشفاه ونحن نتثاءب!
إنها “طوق نجاة” يُلقى إليك وأنت تغرق في بحر ديونك.
إنها وثيقة وفاء، ورسالة حب عاجلة يكتبها قلبك المكسور، لتصل إلى أعظم قلب عرفته البشرية.
يا كل موجوع..
يا كل من طحنته الأيام وأرهقته الديون..
يا من تبحث عن بابٍ مفتوح في هذا العالم المليء بالأبواب المغلقة والموصدة في وجهك..
لماذا تترك زجاجة الدواء على الرف، وأنت تئن من الألم؟
عندما تقول من قلبك: “اللهم صلِّ على محمد”، أنت لا تتكلم.. أنت تغسل روحك. أنت تفتح نافذة في زنزانتك المظلمة ليدخل منها نورٌ لا ينطفئ. كأنك تبعث بـ “باقة ورد” من أشواقك لتوضع بين يدي النبي،
وكأن الملائكة تزفّ اسمك في موكب من النور!
كيف نبخل بالوفاء لمن لم يبخل علينا بعمره؟ لمن دلّنا على طريق الله؟
لمن خبأ دعوته ليومٍ نكون فيه أشد ما نكون حاجةً إليه؟
إن يوم الجمعة ليس يوم كسل.. وليس يوماً ندفنه تحت زحام الهاتف وثرثرة المقاهي. إنه عيد الأسبوع، ومستشفى القلوب المنهكة.
فلا تكن بخيلاً على نفسك.
صلِّ عليه.. في سيارتك وأنت ذاهب لعملك، في غرفتك وأنت وحيد، في لحظات حزنك، وفي ثواني فرحك. اجعلها وردك الذي لا يموت، وعادتك التي تنتشلك من وحل الغفلة.
لا تخرج من الجمعة فقيراً مفلساً، وقد نودي عليك لتأخذ نصيبك من ثروة السماء.
صلِّ عليه، ليتسع لك ثقب الإبرة، وينقشع عنك هذا الليل الطويل، وتولد في قلبك شمسٌ لا تعرف الغروب !

فوالله ما تعلّق غريقٌ بطوق الصلاة على محمد ﷺ، إلا قذفته أمواج الدنيا إلى شواطئ النجاة !

أضف تعليق