ثلاثون عاما مع ثعبان

بقلم: فهد فالح

يا صديقي..

ما أشدَّ قسوة الخديعة حين تأتي متأخرة!

وما أثقلَ الحقيقة حين تصل بعد أن يكون العمر قد دفع ثمنها كاملًا!

فبعض الجراح يؤلمك يومًا، وبعضها يؤلمك كلما تذكرتَ كم سنةً كنتَ تظنُّ فيها الجرحَ يدًا تربت على كتفك!
واحد وثلاثون عامًا كان نبيل يحمل هذا الرجل في قلبه.
وواحد وثلاثون عامًا كان بينهما موعدٌ عظيم : عشاءٌ في كل شهر، على المائدة نفسها تقريبًا، وفي الجو نفسه، وبذلك الاطمئنان الذي لا نصنعه إلا لمن منحناهم مفاتيح القلب.

ثلاثة عقود ونيّف!

كان يمكن لطفل وُلد في أولها أن يصبح أبًا في آخرها.

وكان يمكن لمدينة أن تتغير، ولبيوت أن تُهدم وتُبنى، ولوجوه أن تشيخ..

لكن نبيل كان يظن أن شيئًا واحدًا لن يتغير:

صديقه.

كان يراه الرجل الذي لا يخون.

والكتف الذي لا يميل.

والباب الذي يستطيع أن يطرقه في منتصف الليل فلا يسأله: لماذا جئت؟

أودعه من أسراره ما لم يودعه كثيرًا من الناس، وحدَّثه عن ضعفه وانكساراته وأحلامه، وأطلعه على المناطق التي لا نسمح لأحد أن يدخلها في أرواحنا.

كانت المائدة صغيرة..

لكنها كانت تتسع لعمرين كاملين.

ولم يخطر ببال نبيل يومًا أن الرجل الذي يجلس أمامه، ويقسم معه الخبز، ويشاركه الضحكة، ويحفظ تفاصيل حياته..

قد يكون هو نفسه الذي يخرج من عنده ثم يأكل لحمه في غيبته!

بعد تلك السنين الطويلة،
سقط القناع.

جاء أحد الموظفين إلى نبيل يومًا وقال له مترددًا:

— إن صاحبك يتكلم عنك في غيابك.. ويقول فيك ما لا تحب.

ابتسم نبيل.

لم يصدّق.

بل لعل قلبه غضب للمتَّهَم أكثر مما غضب لنفسه.

كيف يصدّق كلمةً عابرة، ويكذّب واحدًا وثلاثين عامًا؟

كيف يهدم بيتًا عاش فيه ثلاثة عقود لأن عابرًا أخبره أن في أحد جدرانه صدعًا؟

قال في نفسه:

ربما أخطأ الرجل في الفهم.

ربما نُقلت الكلمة ناقصة.

ربما..

وربما..

وربما..

نحن لا نفتش عن الأعذار لمن نحب فقط..

بل نخترعها لهم أحيانًا.

ولكن الأيام لم تترك له بابًا يختبئ خلفه.

فبعد أيام قليلة جاءه الرجل نفسه.

لا واشٍ.

ولا ناقل كلام.

ولا خصم.

بل الصديق بلسانه!

نظر إلى نبيل وقال له في جرأة لا يعرف أهي صراحة أم صلافة:

— أنا أغتابك عند الموظفين!

لم يحتج نبيل إلى شاهد آخر.

كان الاعتراف هو الشاهد.

وكان الجاني هو الذي قدّم الدليل.

في تلك اللحظة لم تسقط كلمة..

سقطت واحد وثلاثون سنة.

سقطت المائدة.

وسقطت الضحكات.

وسقطت الأسرار القديمة من مكانها في القلب.

وفجأةً أعاد نبيل قراءة التاريخ كله بعين جديدة.

كم مرة ابتسم له هذا الوجه وفي صدره شيء آخر؟

كم مرة خرج من لقائهما ليقول عنه ما لا يقوله عدو؟

وكم سرًّا ألقاه نبيل مطمئنًا في أذن كان يظنها خزانة، فإذا بها بابًا مفتوحًا؟

يا لها من لحظة!

ليست مؤلمة لأن رجلًا اغتابك..

فالناس يغتاب بعضهم بعضًا.

ولكنها مؤلمة لأن الذي فعل ذلك هو الرجل الذي كنتَ تضعه في المكان الذي لا يصل إليه أحد.

فالطعنة لا تُقاس بعمقها فقط، بل باليد التي أمسكت بالخنجر.

ومضت الأيام.

وتقاعد نبيل.

وتقاعد صاحبه بعده.

وظن نبيل أن العمر قد علّم الرجل ما لم تعلمه الصحبة، وأن الشيب ربما غسل شيئًا مما تركته الأيام في النفوس.

ثم جاءه الرجل مرة أخرى.

هذه المرة يطلب منه أن يتيح له فرصة عمل في مشروع خاص.

وربما قال نبيل في سرّه:

لعلها صفحة جديدة.

لعل الرجل يريد أن يصلح ما أفسده.

لعل العمر رقّق قلبه.

ففتح له الباب.

لأن أصحاب القلوب النظيفة يظنون طويلًا أن الآخرين يشبهونهم.

لكن المفاجأة الثانية كانت أقسى من الأولى.

اكتشف نبيل أن الرجل لم يكتفِ بما كان يفعل قديمًا..

بل أخذ يسأل عنه في الخفاء.

لا ليسأل عن صحته.

ولا ليطمئن إلى أحواله.

ولا ليستعيد صداقةً ضائعة.

بل ليسأل أسئلةً تشكك في أمانته ونزاهته، وينقّب عن زلّة، ويبحث عن كلمة، ويحاول أن يصنع من الظنون تهمة!

وهنا انتهى كل شيء.

فالمرة الأولى يمكن أن تسمّيها سقطة.

والثانية يمكن أن تلتمس لها عذرًا.

أما حين يصبح الأذى عادة..

فلا تسمِّه خطأً، بل سمِّه طبعًا.

جلس نبيل مع نفسه يقلب شريط الأعوام.

اثنان وثلاثون عامًا!

كم ليلةً جلسا فيها معًا؟

كم فنجان قهوة؟

كم وجبة عشاء؟

كم سرًّا؟

كم ضحكة؟

كم مرةً قال في نفسه: هذا صديقي؟

وفجأةً اكتشف أن عدد السنوات لا يثبت شيئًا.

فقد تطول الصحبة ولا يطول الوفاء.

وقد يعرف الإنسان اسمك ثلاثين عامًا، ولا يعرف قدرك يومًا واحدًا.

وقد يجلس إلى جوارك ألف ليلة..

ولا يكون قريبًا منك ليلةً واحدة.

عندها لم يصرخ نبيل.

ولم يخاصم.

ولم يجمع الناس ليحكي لهم حكايته.

ولم يطلب تفسيرًا جديدًا بعد أن أصبح التفسير واضحًا.

فبعض الأبواب لا تحتاج إلى عتاب..

تحتاج فقط إلى أن تُغلق.

أغلق نبيل الباب.

هذه المرة إلى الأبد.

لا انتقامًا.

ولا كراهية.

ولكن حفاظًا على ما بقي من عمره.

فالعمر أقصر من أن نقضيه في اختبار إنسان أثبت لنا مرارًا من يكون.

والقلب أثمن من أن نحوله إلى فندق مفتوح لمن يدخل إليه متى شاء، ويعبث بأثاثه، ثم يعود حين يحتاج إلى غرفة!

لقد فهم نبيل الدرس متأخرًا..

لكنه فهمه.

فليس كل من طال بقاؤه في حياتك يستحق أن يبقى فيها.

ولا كل من أكل معك الخبز حفظ الملح.

ولا كل من عرف أسرارك كان أمينًا عليها.

ولا كل ابتسامة مودة.

ولا كل عناق أمان.

بعض الناس لا تسقط أقنعتهم سريعًا؛ لأنهم أتقنوا ارتداءها.

وقد تحتاج إلى موقف واحد لتعرف إنسانًا عرفته ثلاثين سنة.

فالأيام لا تغيّر الناس دائمًا..

الأيام تكشفهم.

وحين انكشفت الصورة كاملة أمام نبيل، حمد الله على الحقيقة، وإن جاءت متأخرة.

فأن تعرف الحقيقة في آخر الطريق..

خير من أن تموت وأنت تعانق الوهم.

لقد كان يظن طوال تلك السنين أنه يحتفظ بصديق قديم..

ثم اكتشف أنه كان يستأنس بخطرٍ ينام إلى جواره.

وكان يظن أنه يأوي إلى ركن وثيق..

فإذا بالركن جدارًا مطليًّا، يكفي أول مطر لتظهر شقوقه.

وحين أغلق الباب أخيرًا، لم يشعر أنه خسر صديقًا.

فالذي خسره لم يكن موجودًا أصلًا إلا في خياله.

لقد خسر صورةً صنعها لرجل..

أما الرجل الحقيقي فقد تكفلت الأيام بتعريفه به.

يا صديقي..

لا تحزن كثيرًا حين يسقط أحدهم من قلبك بعد سنوات طويلة.

أنت لا تخسر السنوات التي مضت..

أنت تنقذ السنوات التي بقيت.

ولا تأسف لأنك أحسنت الظن.

فحسن ظنك كان شاهدًا على نقاء قلبك، وسوء فعله شاهدٌ عليه هو.

لكن إذا كشفت لك الأيام وجهًا أخفي عنك طويلًا..

فلا تُعد القناع إلى مكانه بيدك.

لقد أخطأ نبيل حين صدّق الوهم طويلًا..

لكنه أصاب حين أغلق الباب أخيرًا.

فخسارة ثعبانٍ ظننته صديقًا ليست خسارة..

الخسارة الحقيقية ليست في أن تنخدع بصداقة مزيفة، بل أن تعرف أنه ثعبان ثم تُبقيه في حضنك، وتُدفئه بدمك، حتى يستجمع قواه ويلدغك من جديد!
فالأيام لا تُقاس بطولها بل بصدقها.. وربّ عشاءٍ طيّب خيرٌ من ألف موعد تُساق فيه القلوب إلى المسلخ.
لقد استردّ نبيل كرامته، وما أعظم أن يستردّ الإنسان روحه ولو بعد حين!

اترك رد

اكتشاف المزيد من فهد فالح

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة