بقلم: فهد فالح
احذر «الرجل الصفر»!
ولا تظن أنني أعني رجلًا لا قيمة له..
فقد يكون ذكيًّا، لبقًا، أنيقًا، كثير الابتسام، عذب الحديث..
لكن المصيبة ليست في قيمته هو؛
المصيبة أنه ينزع القيمة من كل شيء يقترب منه!
هو الصفر الذي لا يأتي بعد أرقام حياتك فيزيدها عشرة أضعاف،
بل يتسلل قبلها..
فيحوّل الواحد إلى عُشر،
والعشرة إلى واحد،
والنجاح إلى تعب،
والفرح إلى قلق،
والصداقة إلى جرح!
إن حاربته.. استنزف وقتك.
وإن صاحبته.. استنزف روحك.
وإن أحسنت به الظن أكثر مما ينبغي..
ناولك بيدٍ وردة، وأخفى في الأخرى خنجرًا!
«الرجل الصفر» لا يصنعه مبدأ،
بل تصنعه عقدة.
لا يفرح لأنه نجح،
بل لأنه رآك تفشل.
ولا يحزن لأنه خسر،
بل لأنك ربحت!
نجاحك يوقظ أحقاده،
ومديح الناس لك يوقظ غيرته،
وكل خطوة تصعد بها إلى أعلى يشعر أنها صفعة تهوي على وجهه.
فإن عجز أن يسبقك.. حاول أن يعطلك.
وإن عجز أن يهزمك.. شوّهك.
وإن عجز أن يشوّهك أمام الناس.. اقترب منك أكثر!
نعم.. اقترب منك أكثر!
فالعدو البعيد تستطيع أن تراه،
أما هذا فيختار المقعد المجاور لك.
يضحك معك.
ويأكل من مائدتك.
ويصافحك بحرارة.
ويستمع إلى أسرارك باهتمام..
لا ليحفظها،
بل ليعرف أين يضع الخنجر إذا جاء يوم الطعن!
ولعل أقسى ما تعلّمناه من حكاية «ثلاثون عامًا مع ثعبان» أن طول الصحبة ليس دائمًا شهادة حسن سيرة.
فقد تجالس إنسانًا ثلاثين عامًا..
ولا تعرفه إلا في الدقيقة التي تسقط فيها مصلحته!
ثلاثون عامًا من الموائد،
والضحكات،
والأسرار،
والذكريات..
ثم تكفي لحظة واحدة حتى تكتشف أن كل تلك السنوات لم تكن جسرًا بين قلبين،
بل كانت نفقًا طويلًا يحفره أحدهما للوصول إلى ظهر الآخر!
وبعض البشر لا يبدّلون جلودهم لأنهم أصبحوا أفضل..
إنهم يبدّلونها لكي يصعب عليك التعرّف إلى الثعبان!
والعيش مع الأفعى ثلاثين عامًا لا يجعلك مروّضًا للأفاعي،
ولا يمنح دمك حصانة من السم..
إنما يجعلك — إذا نجوت — أكثر معرفة بأن أخطر السموم ليست تلك التي تنفثها الأنياب في الظلام،
بل تلك التي تُسكب لك في كأس المديح،
وتُقدَّم إليك على مائدة العشاء،
ويقال لك وهي تقتل قلبك:
نخب الصداقة!
كان يجلس أمامك..
يملأ الكأس ثناءً،
ويملأ قلبه حقدًا.
يرفع اللقمة إلى فمه،
ويرفع في داخله قائمة أخطائك.
يسألك عن أحوالك كأنه يخاف عليك،
وهو في الحقيقة يجمع أخبارك كما يجمع المحارب خرائط خصمه!
ولذلك قد يكون ذلك العشاء الذي حسبته يومًا مائدة محبة،
مجرد سرادق أنيق للأحقاد..
شموعه المجاملات،
وطعامه الرياء،
وشرابه المكر،
والفاتورة في نهايته يدفعها قلبك وحده!
يا صديقي..
ليس كل من طال جلوسه معك طال وفاؤه لك.
ولا كل من عرف أسرارك صار أمينًا عليها.
ولا كل يدٍ امتدت لمصافحتك خلت من خنجر.
فإذا عرفت «الرجل الصفر»..
فلا تحاول إصلاحه على حساب عمرك،
ولا تدخل معه حربًا تستهلك ما بقي من روحك،
ولا تمنحه فرصة أخيرة كلما انتهت فرصه؛
فبعض الناس لا يفهمون الفرصة الثانية على أنها سماحة منك،
بل يفسرونها ضعفًا يسمح لهم بمحاولة جديدة!
غادر بهدوء.
خذ قلبك من المائدة.
واجمع ما تبقى من كرامتك.
وأغلق الباب الذي يدخل منه السم.
فليست البطولة أن تعرف كيف تعيش مع الأفاعي..
البطولة أن تعرف متى تغادر جحرها.
وإذا رأيت «الرجل الصفر» يبتسم لك بعد أن عرفت حقيقته..
فلا تخف من ابتسامته،
ولا تغضب من كلماته،
ولا تبحث عن الانتقام منه..
ابتسم أنت أيضًا..
ولا تنخدع بالمعسول من كلامه بل ابحث فورا عن الترياق
ثم امضِ.
فأقسى هزيمة للرجل الصفر ليست أن تسقطه..
بل أن تخرجه من حسابات حياتك،
فتكتشف فجأة أن أرقامك عادت كما كانت..
وأن الشيء الوحيد الذي كان صفرًا فيها..
هو وجوده!


Leave a Reply