بقلم: فهد فالح
إلى أبنائي…
إلى طلابي…
وإلى كل خريج يقف اليوم على عتبة الحياة…
أبارك لكم النجاح…
لكنني لا أخاف عليكم من الامتحانات التي انتهت.
بل أخاف عليكم من الامتحانات التي لم تبدأ بعد.
فالشهادة…
باب.
وليست الطريق.
والتخرج…
بداية.
وليس النهاية.
والحياة…
لا تمنح جوائزها لمن يحمل ورقة…
بل لمن يحمل رسالة.
وأول رسالة…
أن تعرف إلى أين تمضي.
فالريح…
لا تخدم سفينةً لا تعرف ميناءها.
وأخطر إنسان…
ليس من ضل الطريق.
بل من سار سنوات…
خلف طريقٍ رسمه له غيره.
اجعل هدفك أمام عينيك…
كما يجعل المسافر النجم دليلًا في ظلمة الصحراء.
فإذا ضاع النجم…
ضاع الطريق.
وإذا ضاع الهدف…
ضاع العمر.
ثم…
احذر.
ليس من العدو.
فالعدو يرتدي وجه العداء.
ولكن احذر…
من الجليس المجهول.
ذلك الذي يدخل حياتك…
دون أن تشعر.
يجلس إلى جوارك…
قبل أن يجلس في قلبك.
ويجلس في قلبك…
قبل أن يجلس في عقلك.
ثم يبدأ…
في تبديل الخرائط.
لا يسرق مالك…
بل يسرق اتجاهك.
لا يأخذ من جيبك…
بل يأخذ من عمرك.
لا يهدم بيتك…
بل يهدم أحلامك.
وإذا استيقظت…
وجدت سنواتٍ كاملة…
قد خرجت من بين يديك…
كما يخرج الماء من بين الأصابع.
إياك أن تظن…
أن كثرة الضحك دليل المحبة.
فالمصيدة…
غالبًا…
لا تبتسم للفريسة إلا قبل أن تغلق عليها.
وليس كل من صفق لك…
يتمنى أن ترتفع.
فبعض التصفيق…
ليس إعجابًا.
بل إلهاء.
يصرفك عن هدفك…
حتى إذا التفت…
وجدت غيرك قد سبقك.
واعلم…
أن أخطر اللصوص…
لا يحملون سلاحًا.
ولا يكسرون بابًا.
بل يجلسون إلى جوارك.
يسرقون همتك.
ويطفئون عزيمتك.
ويزينون لك التأجيل…
حتى يصبح العمر كله مؤجلًا.
إن الإنسان قد ينجو من عدوٍ أعلن الحرب…
لكنه قد يسقط بسبب جليسٍ أعلن الصداقة.
فالعدو…
يقف خارج الأسوار.
أما الجليس…
فيدخل من باب الثقة.
العدو…
يحارب جسدك.
أما الجليس السيئ…
فيحارب ضميرك.
العدو…
يريد أن يهزمك.
أما الجليس…
فيريد أن يجعلك نسخةً منه.
ولهذا…
كانت خسائر المجالس…
أعظم من خسائر المعارك.
كم من عبقريٍ دفن موهبته…
في مجلس.
وكم من صالحٍ أضاع استقامته…
في صحبة.
وكم من مشروعٍ مات…
قبل أن يولد…
لأن صاحبه جلس يومًا…
في المكان الخطأ.
فاجعل لحياتك رسالة.
واجعل لوقتك هيبة.
واجعل لهدفك حرمة.
استثمر كل صباح…
في علم.
وكل مساء…
في مهارة.
وكل يوم…
في عمل صالح.
وأكرم والديك…
فدعوةٌ صادقةٌ منهما…
قد تفتح لك من أبواب السماء…
ما تعجز عن فتحه شهادات الأرض كلها.
ولا تسمح لأحد…
مهما كان قريبًا…
أن يطفئ النار التي أشعلها الله في قلبك.
ولا تسمح لصوتٍ عابر…
أن يهزم يقينًا بنيته سنوات.
وتذكر…
أن السفينة…
لا تغرق لأنها في البحر.
بل لأنها سمحت للبحر…
أن يدخل إليها.
وكذلك الإنسان…
لا يهزمه فساد الدنيا.
بل يهزمه الفساد…
إذا وجد إليه طريقًا في قلبه.
فاختر جلساءك…
كما تختار دينك.
واختر كلماتهم…
كما تختار طعامك.
فإن الكلمة…
قد تكون بذرة.
وقد تكون نارًا.
وقد تكون عمرًا كاملًا.
وفي النهاية…
لن يسألك الناس…
كم شخصًا عرفته.
بل ماذا صنعت.
ولن يخلد التاريخ…
من كثرت مجالسه.
بل من عظمت رسالته.
فاحرس هدفك…
كما يحرس الجندي حدود وطنه.
واحرس قلبك…
كما يحرس المؤمن إيمانه.
فقد تخسر مالًا…
فتعوضه.
وقد تخسر وظيفة…
فتجد غيرها.
لكن إذا خسرت سنوات شبابك…
فلن يبيعك الزمن…
سنواتٍ جديدة.
فاجعل أول قرار بعد تخرجك…
أن تختار طريقك.
وأن تختار رسالتك.
وأن تختار جليسك.
فإن المستقبل…
لا تصنعه الشهادات وحدها.
بل تصنعه الأهداف الواضحة…
والقلوب الصادقة…
والصحبة الصالحة.
ومن عرف وجهته…
واستعان بالله…
وثبت على رسالته…
وصل…
ولو تأخر.
أما من باع عمره لمجلسٍ عابر…
وضيّع رسالته في صحبةٍ عابرة…
فلن يدرك في آخر الطريق…
إلا أنه كان يجري…
ولكن في الاتجاه الخطأ.
Dfahads@hotmail.com


Leave a Reply