في يد جبريل مرآةٌ بيضاء… وفي قلبها سرٌّ من أسرار السماء

بقلم: فهد فالح

جاء جبريلُ عليه السلام إلى النبي ﷺ…

وفي يده مرآةٌ بيضاء.

وفي قلب المرآة…

نُكتةٌ سوداء.

سأله النبي ﷺ عنها.

فقال:

هذه الجمعة.

وسأله عن تلك النكتة.

فقال:

هذه الساعة.

يا الله!

يومٌ كامل…

وأخفى الله في قلبه ساعةً

قد تقلب حياةً كاملة!

قد تدخل الجمعة وفي صدرك أمنيةٌ ماتت على أبواب البشر…

فتخرج منها وقد كتب الله لها حياة.

وقد تدخلها وفي طريقك بلاءٌ لا تعرف اسمه، ولا موعده، ولا حجمه…

فتصعد منك دعوة…

فيُصرف البلاء…

فيصرفه الله عنك، ثم تمضي في حياتك وأنت تقول:

لم يحدث شيء!

وما أدراك؟

لعل أعظم ما حدث لك اليوم…

شيءٌ لم يحدث!

هنا سرُّ الدعاء.

فنحن نحسب ما دخل بيوتنا من النعم…

ولا نحسب ما طُرد من أبوابها من البلاء.

نحن نقيس الإجابة بما حصلنا عليه…

ولا نقيسها بما نجونا منه.

نعدُّ الأموال التي لم تأتنا…

ولا نعدُّ المصائب التي لم تصل!

نبكي على الباب الذي أُغلق…

ولا نعرف الوحش الذي كان ينتظرنا خلفه.

ثم نقول:

دعوتُ ولم أُجَب!

ومن قال لك إنك لم تُجَب؟!

لعلك طلبت مالًا…

فحفظ الله لك ولدًا.

وطلبت وظيفة…

فصرف عنك طريقًا كان سيهدم عمرك.

وطلبت وردة…

فأبعد عنك حديقةً من الشوك.

وطلبت شيئًا حسبته الحياة كلها…

فادخر الله لك ما ستعرف يومًا أنه كان الحياة حقًّا.

أنت ترى الصفحة…

والله يعلم الكتاب كله.

أنت ترى اللحظة…

والله يعلم العاقبة.

فلا تجعل قِصَر بصرك ميزانًا لحكمة ربك.

تسأل خيرًا؟

فإما أن يعطيك.

وإما أن يدخر لك ما هو أعظم.

وتستعيذ من شر؟

فإما أن يصرفه عنك.

وإما أن يصرف عنك ما هو أشد منه.

فكيف يموت الرجاء…

وباب الله مفتوح؟

وكيف ييأس عبدٌ…

وربُّه قد فتح له هذا الباب؟

المأساة أننا نحفظ أرقام البشر…

وننسى طريق السماء!

نتصل بهذا.

ونراسل ذاك.

ونطرق باب مسؤول.

وننتظر توقيع مدير.

ونشرح وجعنا حتى تتعب الكلمات…

ثم ننسى بابًا لا يحتاج إلى واسطة…

ولا موعد…

ولا رقم معاملة…

ولا كشف حساب!

باب الله.

ادعُ الله.

إنه الله.

عندك ولد أقلقك؟

ادعُ.

عندك مريض أتعب قلبك؟

ادعُ.

عندك دَين سرق نومك؟

ادعُ.

عندك ذنب كسر ظهرك؟

ادعُ.

عندك حلم يضحك الناس إذا سمعوه؟

قُلْه لله.

لا تخجل من كِبَر أمنيتك…

وأنت تسأل الكبير المتعال.

الجمعة ليست ورقةً أخرى تسقط من التقويم.

قل له ما لا تقوله لأحد.

قل خوفك.

قل وجعك.

قل دَينك.

قل ذنبك.

قل اسم ولدك.

قل حلمك الذي يسخر منه الناس.

قل المستحيل كله.

فالذي تسأله…

هو الذي يقول للشيء:

﴿كُن فَيَكُونُ﴾.

الجمعة ليست يومًا آخر في الأسبوع.

إنها نداءٌ أسبوعي ألا تيأس.

تأتيك كل سبعة أيام لتقول:

لا توقّع وثيقة الهزيمة.

لا تكتب: «انتهى».

لا تغلق باب الأمل.

فلعل بينك وبين حياةٍ أخرى…

دعوةً لم تقلها بعد.

ثم يرتفع المشهد من الأرض إلى الجنة.

فهنا:

يوم الجمعة.

وهناك:

يوم المزيد.

هنا ترفع يديك إلى ربك وأنت تؤمن به بالغيب…

وهناك ينال أهل الجنة أعظم الكرامة.

﴿لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾.

يا الله…

مزيدٌ بعد الجنة!

بعد القصور.

وبعد الأنهار.

وبعد الخلود.

لأن عطاء الله لا يقف حين تنتهي أمنيات البشر.

فإذا جاءت الجمعة…

اخفض صوت الأرض.

وأغلق هاتفك قليلًا.

وأفرد لله قلبك.

ثم اطلب.

ولا تستصغر حاجة.

ولا تستعظم أمنية.

ولا تقل:

كيف؟

فـ«كيف» سؤال العاجز…

وأنت تسأل القادر.

ثم امضِ مطمئنًا.

فأنت لم تضع حاجتك عند من ينسى.

ولم ترفعها إلى من يعجز.

ولم تستودعها فقيرًا مثلك.

فلا تدع شمس الجمعة تغيب…

وفي صدرك دعوةٌ سجنتها عن السماء.

فلعل كلمةً تهمس بها اليوم…

تفتح لك بابًا ظل مغلقًا عشرين عامًا.

ولعل دمعةً لا يراها أحد…

تردُّ عنك بلاءً لا يراه أحد.

ولعل أجمل أيام عمرك…

يبدأ من دعوةٍ قلتها في آخر ساعةٍ من الجمعة.

Leave a Reply

Discover more from فهد فالح

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading