حين يهدم اللسانُ في لحظةٍ ما بنته الطاعاتُ في عمر

بقلم: فهد فالح

يا صديقي..
قد تعيش عمرك كلَّه ولا تُطلق رصاصةً واحدة..
لكنك تحمل بين فكّيك سلاحًا أشدَّ فتكًا من الرصاص:
لسانك!
سلاحٌ لا يحتاج إلى بارود.. ولا زناد.. ولا ترخيص.
يكفي أن يتحرك لحظة..
فيهدم بيتًا.. ويقطع رحمًا.. ويقتل سمعةً.. ويزرع عداوةً.. ويفتح في قلب إنسانٍ جرحًا لا يراه طبيب.
والأخطر؟
أنك قد تنسى الكلمة بعد دقيقة..
لكنها لا تنساك!

كان معاذ بن جبل رضي الله عنه مع النبي ﷺ في سفر، فسأله سؤال العمر:
«يا رسول الله، أخبرني بعملٍ يدخلني الجنة ويباعدني من النار».
فدلَّه النبي ﷺ على أبواب الخير، ثم أخذ بلسانه وقال:
«كُفَّ عليك هذا».
تعجّب معاذ:
«وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟»
فجاء الجواب كأنه جرس إنذارٍ يدوّي إلى آخر الزمان:
«وهل يكبُّ الناسَ في النار على وجوههم ـ أو على مناخرهم ـ إلا حصائدُ ألسنتهم؟!»
حصائد ألسنتهم!
فاللسان يزرع..
والأيام تمرّ..
والصحائف تحفظ..
ثم يأتي يوم الحصاد.
وقد يكون الحصاد سقوطًا في الهاوية!

نحن نخاف السكين لأنها تشقّ الجلد.. ونخاف الرصاصة لأنها تخترق الجسد..
لكننا لا نخاف كلمةً تخترق روح إنسانٍ وتسكنها ثلاثين عامًا!
السيف يجرح لحمًا فيلتئم..
أما بعض الكلمات فتجرح مكانًا لا تصل إليه يدُ الجرّاح.
كم إنسانٍ قال ساخرًا:
«كنت أمزح!»
وكان الذي أمامه يبتسم بوجهه..
وينزف بقلبه!
وكم مجلسٍ بدأ بضحكة..
وانتهى في صحيفة صاحبه ظلمةً تنتظر الحساب!

الغيبة ليست تسلية..
إنها اغتيالٌ في غياب الضحية.
يغيب الإنسان عن المجلس..
فيحضر لحمُه!
ولهذا رسم لها القرآن صورةً تقشعرّ منها الروح:
﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾.

وأما النميمة فعود ثقابٍ يمشي على قدمين!
يدخل صاحبها بين قلبين صافيين..
فيخرج وقد ترك خلفه حريقًا.
هو لا ينقل الكلام..
إنه ينقل النار!
كم من بيتٍ بنته أعوام وأحرقته جملة!
وكم من صداقةٍ صنعتها عشرون سنة..
واغتالها لسانٌ في عشرين ثانية!

وأما السخرية..
فقسوةٌ ترتدي قناع النكتة.
يضحك المجلس كله..
إلا قلبًا واحدًا تُذبح كرامته أمام الناس!
تسخر من وجهٍ لم يختره صاحبه.. ومن جسدٍ لم يصنعه.. ومن لونٍ لم يرسمه.. ومن فقرٍ لم يتمنَّه!
وحين تسخر من خِلقته فإنما تزدري صنعةً لم تكن له فيها يد.
وقد قال الله:
﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾.
فربما كان الذي جعلته أضحوكةً في الأرض..
خيرًا منك عند ربّ الأرض والسماء!

ثم جاءت الهواتف..
فصار للسان أصابع!
قديمًا كانت الغيبة تحتاج مجلسًا..
واليوم تحتاج إصبعًا.
تعليق.. صورة.. إعادة إرسال.. مقطع ساخر.. إشاعة..
ثم تضغط الزرّ..
وتنام!
بالأمس كانت الكلمة تمشي..
واليوم تطير!
وقد تطوف الأرض وصاحبها جالسٌ على أريكته!

لكن الفاجعة الكبرى ليست فيما تفعله الكلمة بالناس في الدنيا..
بل فيما تفعله بصاحبها يوم القيامة.
هناك يظهر..
المفلس!
يأتي بصلاةٍ.. وصيامٍ.. وزكاةٍ.. وحجٍّ.. وعمرةٍ.. وبرٍّ.. وصدقة..
يأتي بحسناتٍ تعب في جمعها عمرًا كاملًا!
ثم يأتي الذين دهسهم بلسانه:
هذا شتمه..
وهذا قذفه..
وهذا ظلمه..
وهذا انتهك عرضه..
وتبدأ المحكمة!
لا مال هناك.. ولا شيكات.. ولا عقارات..
العملة الوحيدة:
حسناتك!
فيُعطى هذا من حسناته.. وهذا من حسناته..
فإن فنيت حسناته قبل أن تُقضى المظالم، أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه..
ثم طُرح في النار!

وهنا قف طويلًا!
مهما كثرت حسناتك.. ومهما طال بك العمر وأنت تزرع في الليل والنهار، وتبني حسنةً فوق حسنة..
فلا تأمن لسانك!
فقد تقضي العمر كلَّه تبني..
ثم تأتي كلمةٌ ظالمة فتهدم!
كلمةٌ تطعن بها مسلمًا في عرضه..
سخريةٌ تذبح بها كرامته..
شتيمةٌ تكسر بها قلبه..
غيبةٌ تأكل بها لحمه وهو غائب..
ثم تمضي في طريقك وتقول:
«إنها مجرد كلمة!»
لا يا صديقي..
قد تكون عندك كلمة..
ولكنها عند المظلوم حق!
وقد تكون في الدنيا صوتًا لا يستغرق ثانيتين..
ولكنها في الآخرة حساب!

وهنا مأساة الإنسان:
يقضي عشرات السنين يصعد بالطاعات درجةً درجة..
ثم يُطلق لسانه في أعراض الناس، فتتراكم عليه المظالم، حتى يقف يوم القيامة فيرى رصيد عمره ينتقل أمام عينيه إلى الذين آذاهم!
هذا يأخذ..
وهذا يأخذ..
وهذا يأخذ..
حتى تنفد الخزائن!
فالعبرة ليست بكثرة ما زرعت..
بل بما سيبقى لك يوم الحصاد!
يا للخسارة!
قضى عمره يجمع..
وجاء لسانه يوزّع!
صلى لنفسه..
فأخذ المظلوم من حسناته.
وصام لنفسه..
فأخذ المظلوم من حسناته.
وتصدّق لنفسه..
ثم جاء لسانه ففتح خزائن عمره لخصومه!
أيُّ تاجرٍ أحمق يربح ثلاثين سنة..
ثم يحرق متجره بعود ثقاب؟!
وأيُّ عابدٍ أعجب ممن يبني بيديه جبلًا من الطاعات..
ثم يحفر بلسانه هاويةً تحت قدميه؟!
فلا تجعل من تكره..
أغنى الناس بحسناتك!

القوة ليست أن تعرف كيف تجرح.
كل أحمق يستطيع أن يكسر زجاجًا!
القوة أن تكون قادرًا على الرد..
ثم تصمت.
أن تعرف العيب..
فتستر.
أن تسمع النميمة..
فتدفنها عندك.
أن يغريك المجلس بلحم غائب..
فتقوم وقلبك أنظف من أن يأكل أخاه.
القوة ليست أن تملك الكلمة القاتلة..
القوة أن تملكها.. ثم تقتلها في فمك!

واجعل هذه الصورة أمام عينيك كلما اندفع لسانك:
النبي ﷺ يمسك بلسانه ويقول:
«كُفَّ عليك هذا».
كفَّ عليك هذا..
قبل أن تصبح الضحكة جرحًا.
كفَّ عليك هذا..
قبل أن تصبح الهمسة عداوة.
كفَّ عليك هذا..
قبل أن تصبح الغيبة خصمًا ينتظرك.
كفَّ عليك هذا..
قبل أن يصبح لسانك لصًّا يسرق حسنات عمرك!

يا صديقي..
الكلمة ليست هواءً يخرج من الفم ثم يموت.
الكلمة بذرة.
واللسان يزرع..
والصحائف تحفظ..
والقيامة موسم الحصاد.
وستعلم يومها أن الصحائف لا تُمحى بالمكابرة..
وأن الألسنة التي تلهو اليوم بالأعراض..
ستُستنطق غدًا بالحقائق!
إنك تزرع بين فكّيك كلَّ لحظة:
إما شجرةً أصلها ثابت وفرعها في السماء..
وإما حطبًا لجحيمٍ لا تطفئه الدموع!
فانظر ما تصنع بنفسك قبل أن تُطوى الصحف..
فبين الجنة والنار قد تقف كلمة!
كلمةٌ ترفعك إلى أعلى عليين..
أو كلمةٌ تهوي بك سبعين خريفًا!
وقد يمضي الإنسان عمرًا كاملًا يصعد..
يصعد.. ويصعد.. ويصعد..
ثم ينفلت اللسان بكلمة..
فيبدأ السقوط.
السقوط في الهاوية!

Leave a Reply

Discover more from فهد فالح

Subscribe now to keep reading and get access to the full archive.

Continue reading