بقلم: فهد فالح
دخلت عيادة الأسنان تحمل وجعًا في ضرسها.
وخرجت تحمل الطبيب كله!
عالج أسنانها.
نظّف.
رمّم.
ثم دفع إليها الحساب:
أربعة آلاف ريال.
قالت:
حين ينزل الراتب.
وانتظر.
ثم قالت:
بعد أيام.
وانتظر
حتى فهمت المرأة أن الطبيب بدأ يطالب بحقه.
فغيّرت اللعبة.
لم تعد تتحدث عن أربعة آلاف.
فتحت أمامه بابًا أكبر من المال.
قالت له:
ما رأيك أن تتزوجني مسيارًا؟
هنا سقط الحساب من يده.
المسيار الذي عرضته عليه بسيط في صورته:
هي تبقى في بيتها.
وهو يأتيها متى اتفقا.
لا بيت جديد.
لا أثاث.
لا دوامة تجهيزات.
زواج يصل فيه الزوج إلى بيت زوجته.
عرض يبدو أسهل من الزواج المعتاد.
وأسرع.
وأقل مؤونة.
وهنا بالضبط…
وضعت العسل على حافة المصيدة!
لم تعد الأربعة آلاف دينًا.
صارت كأنها تذكرة دخول إلى الحلم.
ونسي الطبيب أنه دائن.
وبدأ يتصرف كعريس!
يا للعجب!
كان قبل دقائق يبحث عن ماله…
فأصبح بعد دقائق يبحث عن أفخر محل شوكولاتة!
أجرت المرأة ترتيباتها بإحكام.
مكالمات.
حديث عن أخ.
مواعيد.
تفاصيل.
ثم سلّمته العنوان الذي سيبقى طويلًا في ذاكرته:
العمارة رقم 3.
الطابق الثالث.
الشقة رقم 3.
ثلاثة.
ثلاثة.
ثلاثة.
بدت أرقامًا سهلة للحفظ.
ولم يعلم أنها ليست عنوان العروس.
بل إحداثيات الكمين!
جاء يوم السبت.
لبس الرجل فرحته.
وتعطّر.
وحمل علبة فاخرة من الشوكولاتة البلجيكية.
واتجه نحو الموعد الذي ظنه بداية حياة جديدة.
لم يحمل جهاز كشف الكذب.
حمل الشوكولاتة!
وصل إلى العمارة.
صعد الطابق الثالث.
وقف أمام الشقة الثالثة.
دق الباب.
صمت.
أعاد الطرق.
صمت.
ضغط الجرس.
لا أحد.
اتصل.
الهاتف مغلق أو لا يجيب.
وهنا…
بدأ العسل يفقد حلاوته.
وقف الطبيب أمام الباب.
علبة الشوكولاتة في يده.
والأسئلة تنهش رأسه.
وفجأة…
سمع خطوات على السلم.
ظهر رجل يصعد.
يحمل باقة ورد ضخمة.
ورد كثير.
كثير جدًا.
حتى لكأنه لا يحمل باقة عرس…
بل إكليل جنازة!
وصل الرجل.
توقف أمام الباب نفسه.
نظر الطبيب إليه.
نظر الرجل إلى الطبيب.
قال:
هذه الشقة رقم ثلاثة؟
قال:
نعم.
قال:
أنا عندي زواج هنا اليوم.
تجمّد الطبيب.
سأله:
من العروس؟
ذكر الاسم.
العروس نفسها!
هناك صدمات تصرخ.
وهناك صدمات لا تجد صوتًا.
هذه كانت من النوع الثاني.
رجل يحمل شوكولاتة.
ورجل يحمل وردًا.
وكلاهما جاء ليتزوج المرأة نفسها.
وفي الساعة نفسها.
وفي الشقة نفسها!
الثاني حوّل لها أموالًا.
رتب أموره.
جهز المأذون.
اشترى الورد.
وجاء منتفخًا بالأمل.
ثم اكتشف أن باقة الورد ليست للعروس.
إنها أول باقة توضع على قبر الحلم!
تبادل الرجلان النظرات.
في تلك اللحظة…
لم تكن رائحة الورد تملأ الممر.
كانت رائحة الخديعة!
وقبل أن يستوعبا الضربة…
جاءت القذيفة الثالثة.
خطوات جديدة تصعد الدرج.
رجل مهندم.
بشت.
ملابس سفر.
حقيبة في يده.
قادم من المطار مباشرة.
قيل إنه جاء من نجران.
ترك عمله.
أخذ إجازة.
ركب الطائرة.
حمل حقيبته.
جاء من آخر الطريق…
إلى الباب نفسه!
قالا:
إلى أين؟
قال:
الشقة ثلاثة.
قالا:
لماذا؟
قال:
زواجي اليوم!
لو أن أحدًا كتب هذا في قصة لقيل:
بالغ الكاتب!
لكن الحياة أحيانًا تكتب كوميديا سوداء لا يجرؤ عليها الخيال.
طبيب يحمل شوكولاتة.
وعريس يحمل وردًا.
ومهندس يحمل حقيبة سفر.
ثلاثة رجال أمام باب واحد.
وثلاثة أحلام معلقة على مقبض باب…
لا يُفتح!
قالا للقادم الجديد:
مبروك.
أنت…
العريس الثالث!
لم تعد القضية امرأة تأخرت عن موعد.
صارت رائحة جريمة.
قالوا:
نريد مستأجر الشقة.
بحثوا عنه.
وصلوا إلى رقمه.
اتصلوا به.
وجاء.
وما إن سمع الحكاية…
حتى انفجرت القذيفة الرابعة.
قال لهم:
وأنا أيضًا سأتزوجها!
صمت الجميع.
هذا الرجل لم يشتر وردًا.
ولم يشتر شوكولاتة.
فعل ما هو أكبر:
استأجر لها الشقة!
دفع الإيجار.
سلّم المال.
جهز المكان.
وكان ينتظر أن يدخل الشقة زوجًا…
فدخلها ضحية رقم أربعة!
هنا اكتملت اللوحة.
أربعة رجال.
وعروس واحدة.
طبيب.
وعريس آخر.
ومهندس قطع المسافات.
ومستأجر دفع قيمة الشقة.
كل واحد يظن أن المرأة اختارته من بين رجال الأرض.
والحقيقة؟
هي لم تختر أحدًا.
هي اختارت جيوبهم جميعًا!
كل واحد منهم كان يسمع النسخة التي يحب أن يسمعها.
لكل رجل مفتاح.
عرفت مفتاحه.
ففتحت به محفظته قبل أن تفتح قلبه.
هذا أغرته بالزواج.
وهذا بالوعد.
وهذا باللقاء.
وهذا بالبيت.
كانت تعرف حقيقة نفسية مخيفة:
الرجل الذي يريد أن يصدّقك… لا تحتاج إلى إقناعه كثيرًا!
لكن بقي السؤال:
من هذه المرأة؟
كانت لديهم صورة بطاقة.
ذهبوا بها إلى سفارة بلدها.
هناك…
أُطلقت الرصاصة الأخيرة.
فحصوا البيانات.
وجاء الجواب البارد:
المرأة صاحبة الاسم الموجود في البطاقة…
لم تدخل المملكة أصلًا!
توقف الزمن لحظة.
ماذا يعني ذلك؟
يعني أن الاسم قد يكون وهمًا.
والبطاقة قد تكون مزورة أو مسروقة.
والشخصية التي كانوا يتحدثون معها قد لا تمت بصلة إلى صاحبة البيانات.
يعني أن الأربعة لم يكونوا يطاردون امرأة فقط.
كانوا يطاردون شبحًا!
امرأة بلا اسم حقيقي.
بلا عنوان حقيقي.
بلا بطاقة حقيقية.
لكنها كانت تملك أربعة عرسان حقيقيين!
وأموالًا حقيقية.
وشقة حقيقية.
ووردًا حقيقيًا.
وشوكولاتة بلجيكية حقيقية!
وحده الزواج…
كان كذبة!
عاد الأربعة إلى الشقة.
لكنها لم تعد شقة زفاف.
صارت غرفة تشريح.
هناك شُرّحت الحماقة على الطاولة.
وهناك عُرضت الأدلة:
هذا دفع كذا.
وهذا حوّل كذا.
وهذا استأجر.
وهذا جاء من سفر.
وهذا أخذ إجازة شهرًا كاملًا.
نظر بعضهم إلى بعض.
ثم فتحوا علبة الشوكولاتة.
وأكلوا منها!
تصور المشهد.
أربعة عرسان.
ولا عروس.
شوكولاتة الزفاف بينهم.
والورد مرمي بجانبهم.
والباب الذي جاءوا ليدخلوه أزواجًا…
أصبح شاهدًا عليهم.
لم تكن حفلة زفاف.
كانت مأدبة للندم!
وبدأ بعضهم رحلة العودة.
لكن بعض رحلات العودة أصعب من السفر.
فمنهم من خرج من بيته وقد أخبر زوجته أنه ذاهب في مهمة.
ومنهم من احتمى بكذبة انتداب.
ذهب يبحث عن زوجة أخرى.
ثم عاد إلى زوجته الأولى…
ومعه بقية الورد!
يا للسخرية!
الرجل الذي خرج يخفي عنها باقة كاملة…
عاد إليها بنصف باقة!
خرج يحمل سرًا.
وعاد يحمل درسًا.
خرج يبحث عن امرأة في شقة رقم ثلاثة.
فعاد يعرف قيمة المرأة التي كانت تنتظره في بيته!
أما المهندس…
فكان نصيبه من المقلب أفدح.
ترك عمله.
أخذ إجازة شهرًا.
طار من مدينته.
وحمل حقيبة السفر.
وكان يظن أنه سيبدأ شهر عسل.
فإذا به يبدأ…
شهر قضية!
لا تسخر من هؤلاء كثيرًا.
فالقصة أعمق من أربعة رجال خُدعوا.
إنها درس في هندسة الاحتيال.
المحتال العبقري لا يبدأ بسرقة جيبك.
يبدأ بسرقة بصيرتك.
لا يقول لك:
أعطني مالك.
بل يعطيك حلمًا.
ثم يجعلك أنت الذي تفتح محفظتك.
أنت الذي تحوّل.
أنت الذي تستأجر.
أنت الذي تحجز التذكرة.
أنت الذي تشتري الورد.
أنت الذي تحمل الشوكولاتة.
ثم إذا سقطت…
تكتشف أن المحتال لم يدفعك إلى الحفرة.
لقد جعلك تركض إليها!
وأخطر أبواب الاحتيال…
هو الباب الذي يُكتب عليه:
الرغبة.
من اشتهى المال بشدة…
أُخذ من باب المال.
ومن اشتهى الثراء السريع…
أُخذ من باب الصفقة.
ومن اشتد تعلقه بعلاقة…
أُخذ من باب العاطفة.
ومن بحث عن طريق مختصر لإشباع رغبة دون أن يفتح عينيه…
قد يجد في آخر الطريق:
العمارة ثلاثة.
الطابق الثالث.
الشقة ثلاثة.
والباب مغلق!
ولا علاقة لهذا بصحة زواج المسيار أو بطلانه في ذاته.
فتلك مسألة فقهية لها أحكامها وشروطها وكلام أهل العلم فيها.
أما هذه القصة…
فقصتها شيء آخر.
إنها عن مجرمة -بحسب الرواية- استغلت اسم الزواج لتبني عليه مصيدة.
اختارت الصورة التي تبدو سهلة:
الزوجة في بيتها.
والزوج يأتيها.
لا تأسيس منزل جديد.
ولا مظاهر زواج كبيرة.
فتحوّل التيسير في ذهن الضحية إلى طُعم.
وليس العيب في الباب المشروع إذا دخل منه لص.
العيب أن تسلّم مفتاح بيتك للغريب دون أن تعرف اسمه!
احفظ هذه القاعدة:
كلما كان العرض ألذَّ… كان التثبت أشد وجوبًا.
الحلم الذي يأتيك بسرعة خارقة…
اسأله عن هويته.
الحب الذي يطلب تحويلًا ماليًا…
فتش جيوبه.
الزواج الذي يبدأ بالأعذار…
لا تغلق عينيك وأنت تمشي نحوه.
والشخص الذي يمنعك من التحقق ثم يستعجلك في الدفع…
لا يحتاج إلى ثقتك.
يحتاج إلى سذاجتك!
كانت المرأة وحدها.
وأمامها أربعة رجال.
لكنها هزمتهم جميعًا.
لا لأنها أذكى من أربعة عقول.
بل لأنها استطاعت أن تطفئ أربعة عقول في اللحظة المناسبة.
وهذه هي أخطر لحظة في حياة الإنسان:
حين تتحول الأمنية إلى مخدر.
يرى العلامة…
ويتجاهلها.
يسمع الجرس…
ولا ينتبه.
يشم رائحة الحريق…
ويقول:
ربما هو بخور!
يا صديقي…
الذئب لا ينتصر لأنه يملك أنيابًا فقط.
ينتصر حين يعرف أين ترعى الغنم.
والمحتال لا يحتاج إلى أن يكون عبقريًا دائمًا.
يكفيه أن يعرف:
ماذا تريد؟
فإن عرف ما تريد بشدة…
عرف من أين يدخل إليك.
قد يأتيك المال مرتديًا ثوب الصفقة.
وقد تأتيك الخديعة مرتدية ثوب الحب.
وقد يأتيك اللص…
مرتديًا ثوب العروس!
لقد كان المشهد كله مختصرًا في ذلك الممر الضيق:
رجل يحمل الشوكولاتة.
ورجل يحمل الورد.
ورجل يحمل حقيبة السفر.
ورابع يحمل عقد الإيجار.
ووراء الباب…
لا أحد.
إنها ليست صورة مضحكة.
إنها صورة مرعبة!
لأن الباب الفارغ يقول لنا جميعًا:
كم مرة نقف أمام أبواب صنعنا خلفها بأوهامنا قصورًا كاملة؟
كم مرة نصدق لأننا نريد أن نصدق؟
كم مرة نغمض أعيننا عن الحقيقة لأن الحقيقة ستفسد الحلم؟
وأخيرًا…
اقتسم الرجال الشوكولاتة.
لكنني لا أظن أنهم أكلوا شوكولاتة في ذلك اليوم.
لقد أكلوا ثمن الدرس.
واقتسموا الورد.
لكنه لم يكن وردًا.
كان أكاليل صغيرة على قبر الثقة العمياء.
وبقي الباب مغلقًا.
ولعله كان أصدق شيء في الحكاية كلها.
فالمرأة كذبت.
والبطاقة كذبت.
والوعود كذبت.
والأحلام كذبت.
أما الباب…
فقال لهم الحقيقة منذ الطرقة الأولى:
لا عروس هنا!
فتذكّر:
ليس كل عسل حلوًا.
بعض العسل يُطلى على فم المصيدة.
وليس كل من قال: «زواج» يريد بيتًا.
قد يريد حسابك البنكي.
وليس أخطر ما يسرقه المحتال منك مالك.
أخطر ما يسرقه منك اللحظة التي كنت تظن فيها أنك أذكى من أن تُخدع.
وحين ترى حلمًا يلوّح لك من آخر الطريق…
لا تركض.
اسأل.
تحقق.
تثبت.
وافتح عينيك قبل أن تفتح قلبك.
فربما كان في نهاية الطريق أربعة عرسان…
وعلبة شوكولاتة مفتوحة…
وباقة ورد ذابلة…
وشقة رقم ثلاثة…
وعروس لم تكن موجودة أصلًا!


Leave a Reply