بقلم: فهد فالح
في الليل تحدث أشياء لا يراها الذين ناموا مبكرًا.
تُغلق البنوك أبوابها. تنطفئ مكاتب الأثرياء . تتوقف المعاملات. يعود أصحاب الجاه إلى أسرّتهم بشرًا عاديين؛ لا حرس، ولا ألقاب، ولا مكاتب فخمة.
ويخفت صوت الأرض كله تقريبًا.
وفي اللحظة التي تُغلق فيها الدنيا أبوابها… يُفتح أعظم باب.
قال النبي ﷺ: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: مَن يدعوني فأستجيب له؟ مَن يسألني فأعطيه؟ مَن يستغفرني فأغفر له؟» متفق عليه.
اقرأ الحديث ببطء.
المذهل ليس أن إنسانًا ضعيفًا يرفع يديه إلى السماء.
المذهل أن ملك الملوك يناديه!
ذلك الإنسان الذي لم يلتفت إليه أحد في النهار… الذي مرّ بين الناس ولم يسأله أحد: ماذا يؤلمك؟ الذي أخفى وراء ابتسامته قصة لا يعرفها أقرب الناس إليه…
له موعد في الليل.
بلا سكرتير.
بلا واسطة.
بلا رقم انتظار.
وبلا عبارة: «راجعنا غدًا».
نحن نقضي نصف أعمارنا نطرق أبواب البشر. ننتظر اتصالًا. نترقب توقيعًا. نتعلق بموافقة موظف، أو كلمة مسؤول، أو رضا إنسان لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا إلا بما شاء الله.
وقد نقف طويلًا أمام باب مغلق…
وننسى بابًا يُفتح لنا كل ليلة!
يا للعجب!
نحفظ أرقام هواتف الناس المهمين… ولا نحفظ موعد السحر.
نقلق إذا فاتتنا مقابلة مع صاحب منصب… ولا نحزن إذا فاتنا موعد مع الدعاء.
نسهر ساعات من أجل مباراة، أو حديث، أو شاشة صغيرة… ثم تثقل أجفاننا حين تبدأ ساعة لا تشبه ساعات الأرض.
قد تدخل الليل وأنت تحمل جبلًا على صدرك.
دينًا يطاردك.
ومريضًا يخيفك.
وولدًا أرهق قلبك.
وحلمًا طال انتظاره.
وذنبًا كلما خلوت بنفسك سمعت صوته في أعماقك.
لا تشرح قصتك لأحد.
خذها كما هي… إلى سجادتك.
هناك لا تحتاج إلى بلاغة.
قد تكون أعظم دعوات حياتك كلمتين خرجتا من قلب منكسر: يا رب!
وفي الثلث الأخير يحدث شيء عجيب في الإنسان قبل أن يتغير شيء حوله.
ينهض مثقلًا… ويعود أخف.
يدخل الصلاة خائفًا… ويخرج وفي قلبه سكينة لا يعرف من أين جاءت.
قد لا تتغير المشكلة في تلك اللحظة، ولكن يتغير الرجل الذي يواجه المشكلة.
وهذه بداية الفرج.
إنها ساعة الاسترداد.
تسترد فيها قلبك من الذين كسروه.
وكرامتك من الذين أهانوا رجاءك.
وأملك من الظروف التي حاولت إطفاءه.
وتسترد نفسك من الدنيا… لتضعها حيث كان ينبغي أن تكون منذ البداية: بين يدي الله.
فلا تذهب إلى الناس بقلبك كله.
اترك لله الجزء الذي لا يراه أحد.
وابكِ إن استطعت.
فإن لم تستطع البكاء، فاشتكِ.
وإن لم تجد ما تقول، فاستغفر.
وإن عجز لسانك عن الكلمات، فقف بين يديه بقلبك.
فالله يعلم الجملة قبل أن تنطقها… ويعلم الجرح قبل أن تشير إليه.
وإذا استيقظت في جوف الليل، فلا تنظر إلى الساعة ثم تنقلب إلى فراشك سريعًا.
ربما لم يكن استيقاظك حادثًا عابرًا.
ربما كانت تلك الدقائق هي الدقائق التي ستذكرها يومًا وتقول:
من تلك الليلة… بدأ كل شيء يتغير.
وحين تسمع المؤذن للفجر، لا تقل: انتهى الليل.
قل:
انتهى موعدٌ آخر…
وما زال لي في الغد موعد.
فالسماء لا تغلق هذا الباب بعد ليلة واحدة.
إنه يُفتح كل ليلة.
والنداء يتكرر.
والرحمة لا تملّ من العطاء.
كل ليلة ينادي ملك الملوك… والسؤال الوحيد ليس: هل جاء النداء؟ بل: أين كنتَ حين نادى؟


Leave a Reply