بقلم فهد فالح
الناس أبواب.
بابٌ يفتح لك اليوم… ويُغلق غدًا.
وبابٌ يستقبلك مبتسمًا… ثم يضيق بك إذا كثرت حاجاتك.
وبابٌ يَعِدك طويلًا… حتى تموت واقفًا أمامه!
وفي الدنيا كلها بابٌ واحد لا يُغلق.
باب الصَّمد.
⸻
أكبر كذبة يقولها الإنسان لنفسه:
أنا لا أحتاج إلى أحد!
يقولها الغني وهو يحتاج إلى طبيب.
ويقولها الطبيب وهو يحتاج إلى دواء.
ويقولها القوي وهو يحتاج إلى لحظة أمان.
الغني يملك المال… وقد يفقد الصحة.
والقوي يملك العضلات… وقد يفقد الأمان.
نحن مخلوقات فقيرة… تتبادل الفقر.
أذهب إليك لأن عندك ما ينقصني.
وتأتي إليَّ لأن عندي ما ينقصك.
ثم نقف أنا وأنت، بكل ما نملك، فقراء على باب الله.
وحده الله غنيٌّ عن كل أحد.
وكل الخلق مفتقرون إليه.
هو السيد الكامل… المقصود في الحوائج.
ذلك هو الصَّمد.
⸻
نحن قومٌ عجيبون!
نطرق أبواب الناس لأننا نراهم.
وننسى باب الله لأننا لا نراه.
نطلب القطرة ممن يملك كوبًا.
ونترك مَن يملك البحر!
إذا احتاج أحدنا إلى مسؤول… كتب طلبًا في ثلاث صفحات.
وإذا احتاج إلى طبيب… انتظر موعده أسابيع.
فإذا احتاج إلى الله… قال: سأدعوه غدًا!
أما باب الصمد… فادخله الآن.
في غرفتك.
وفوق فراشك.
وفي اللحظة التي يختنق فيها صوتك… فلا يسمعك أحد.
يكفي أن تقول:
يا صمد!
⸻
﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾
كلمتان.
لكنهما تحملان جبلًا من الهموم.
يقصده المريض حين يعجز الطبيب.
والفقير حين تُغلق الخزائن.
والمظلوم حين ينام القاضي.
والخائف حين تنطفئ المصابيح… وتستيقظ الأشباح في صدره.
فيجدون الباب مفتوحًا.
لا حارس يمنعهم.
ولا موعد يؤخرهم.
ولا رقم ينتظر دوره!
⸻
الناس يحبونك ما دمت لا تثقل عليهم.
فإذا كثرت حاجاتك… هربوا.
وإذا أعطوك مرة… ذكَّروك بها ألف مرة.
أما الصمد فيدعوك أن تسأله.
يعطيك… ويسترك… ولا يفضح فقرك إليه.
لا تنكسر إذا تركك صديق.
فالناس ظلال.
والظل يختفي عندما تغيب الشمس.
أما الصمد…
فلا يغيب عن علمه شيء.
ولا تأخذه سِنةٌ ولا نوم.
ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
⸻
في النهار نتظاهر بالقوة.
نضحك.
ونصافح.
ونقول للناس: نحن بخير.
وفي الليل تسقط الأقنعة.
يخرج الخوف من مخبئه.
وتخرج الأحزان من أدراجها.
يصبح الفراش محكمة.
والذكريات قاضيًا.
والدموع شهودًا!
في تلك اللحظة لا تبحث عن هاتفك.
ابحث عن قلبك.
ولا تطرق باب إنسانٍ نائم.
اطرق باب الحيِّ الذي لا ينام.
⸻
تخيَّل رجلًا في جيبه ثلاثة مفاتيح.
مفتاح بيت.
ومفتاح سيارة.
ومفتاح مكتب.
كان يظن أن مَن يملك كل هذه المفاتيح… لا يُغلق في وجهه باب!
ثم عرف.
مفتاح البيت لا يفتح باب العافية.
ومفتاح السيارة لا يوصل إلى الفرج.
ومفتاح المكتب لا يشتري دقيقة واحدة من العمر.
ثلاثة مفاتيح في جيبه…
وهو عاجز عن فتح بابٍ واحد!
باب الفرج.
سأل الطبيب… فهزَّ رأسه.
وسأل الصديق… فخفض عينيه.
وسأل صاحب المال… ففتح دفتر حساباته وأغلق قلبه!
عاد إلى بيته يحمل مفاتيحه الثلاثة.
لم يكن فقيرًا.
لكنه شعر لأول مرة أنه أفقر إنسان في الدنيا.
وجد أمه تصلي.
انتظر حتى سلَّمت.
قال:
— أغلقت الدنيا أبوابها يا أمي.
ابتسمت وقالت:
— إذا أغلقت الدنيا أبوابها… فلماذا لا تطرق باب السماء؟
قال:
— لقد انقطعت الأسباب.
قالت:
— هذه أول مرة تصل فيها إلى مُسبِّب الأسباب!
⸻
الطبيب يعالج… والله يشفي.
والصديق يواسي… والله يجبر.
والمال يشتري الدواء… ولا يشتري العافية.
فلا تحزن إذا انقطعت الأسباب.
الأسباب أبواب صغيرة.
والله ربُّ الأسباب جميعًا.
ولا تيأس إذا قال الناس: لا نستطيع.
لقد صدقوا!
إنهم لا يستطيعون إلا ما أقدرهم الله عليه.
فحين تسقط العكازات… يبقى الذي لا يسقط.
وحين يقول الجميع: انتهى الأمر…
يبدأ أمر الله!
⸻
وقد يتأخر العطاء.
فتظن أنك نُسيت.
وما نُسيت!
ولكنك لا ترى إلا الدقيقة…
والله يعلم حياتك كلها… ويعلم ما يصلحها.
أنت طلبت وردة…
وكان تحتها ثعبان.
أنت تبكي لأن السفينة لم تصل…
وقد يكون الله أنقذك من الغرق!
فلا تُملِ على الله صورة الإجابة.
قد تطلب بابًا… فيفتح لك طريقًا.
وقد تطلب شخصًا… فيُنجيك منه.
نحن نطلب ما يُسعد لحظة.
والله يختار ما يُنقذ عمرًا.
⸻
وهذا الكلام ليس فلسفة جديدة.
إنه أقدم حكاية في التاريخ.
امرأة وحيدة في صحراء… لا زرع فيها ولا ماء.
اسمها هاجر.
وفي حجرها رضيعٌ يبكي من العطش.
سعت بين الصفا والمروة سبعًا… حتى جاء الفرج.
فإذا بالمَلَك عند موضع زمزم.
بحث بعقبه — أو بجناحه — حتى ظهر الماء.
لم يخرج الماء من قوّتها.
بل أخرجه الله برحمته.
وما زالت البشرية تشرب من زمزم إلى اليوم!
⸻
وجمعوا الحطب لإبراهيم.
وأوقدوا نارًا لم يوقَد مثلُها.
وقذفوه فيها.
فقال كلمته الخالدة:
حسبنا الله ونعم الوكيل.
فجاء الأمر من السماء:
﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾
النار تحرق بأمر الله…
وقد صارت على إبراهيم بردًا وسلامًا بأمر الله!
⸻
وفقد يعقوبُ ولده.
وابيضَّت عيناه من الحزن.
فما وقف على أبواب الناس يشكو.
قال:
﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾
فجمع الله شمله بيوسف.
وردَّ إليه بصره.
وجبر قلبه بعد سنوات الحزن!
⸻
ويونس في بطن الحوت.
ظلمة البطن.
وظلمة البحر.
وظلمة الليل.
ثلاثة أبواب مغلقة… ليس لها مفاتيح!
فنادى في الظلمات:
﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾
فجاءه الجواب من فوق الظلمات:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾
⸻
ورجلان في غار.
والسيوف تبحث عنهما عند الباب.
قال أبو بكر رضي الله عنه:
لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا!
فقال النبي ﷺ:
لا تحزن… إنَّ الله معنا.
كان العدوُّ على باب الغار.
وكانت معيّة الله أعظم من خوف المطارِدين!
⸻
كل هؤلاء أُغلقت في وجوههم أبواب الأرض.
بكوا وتألموا…
لكنهم لم يجعلوا الحزن نهاية الطريق.
ولم يقطعهم البلاء عن الله.
رفعوا رؤوسهم إلى الباب الذي لا يُغلق.
والصمود إلى الله لا يعني أن تهجر الأسباب.
هاجر سعت.
ويعقوب أرسل أبناءه يبحثون عن يوسف.
والنبي ﷺ اتخذ الرفيق والدليل واختبأ في الغار.
أخذوا بالأسباب بأيديهم…
لكن قلوبهم تعلقت بربِّ الأسباب.
فأنت حين ترفع يديك…
لا ترفعهما وحدك.
وراءك قافلة طويلة من الأيدي المرفوعة… منذ فجر التاريخ.
وما ضاع دعاءٌ خرج من قلبٍ صادق:
فإما عطاءٌ معجَّل.
وإما أجرٌ مدَّخر.
وإما سوءٌ يصرفه الله.
⸻
يا مَن أنهكته الأبواب…
لا تجعل شكواك طعامًا لمجالس الناس.
ولا تقف طويلًا أمام مَن يملك لك عذرًا… ولا يملك لك نفعًا.
احمل إلى الصمد حاجتك التي تخجل أن تخبر بها أقرب الناس إليك.
فأنت حين تقول: يا صمد…
لا تخبر الله بحاجتك.
فهو أعلم بها منك.
ولكنك تخبر حاجتك أن لها ربًّا.
وتخبر خوفك أن له نهاية.
وتخبر قلبك أنه ليس يتيمًا.
⸻
في تلك الليلة دخل الرجل غرفته.
وضع مفاتيحه الثلاثة على الطاولة.
ورفع يديه بلا مفتاح.
قال:
يا صمد…
هذه حاجتي.
وهذا ضعفي.
وهذه دمعتي.
لقد سقطت من يدي كل الحبال… ولم يبقَ إلا حبلك.
ولم يتغير العالم في تلك الليلة.
لكن شيئًا واحدًا تغيَّر.
هو!
كان قبل الدعاء يحمل المشكلة وحده.
وبعده… لم تنتهِ المشكلة.
لكنه لم يعد يحملها وحده!
ذلك الرجل ليس واحدًا.
إنه كل واحدٍ منا.
قد يكون أنا…
وقد يكون أنت — الليلة!
⸻
لا تقل: ليس لي أحد.
قل: لي الصمد.
لا تقل: انقطعت الأسباب.
قل: وصلتُ إلى ربِّ الأسباب.
ثم نم مطمئنًا.
فأنت لم تترك همَّك عند بشرٍ ينسى.
لقد وضعته عند الحيِّ الذي لا ينام.
أكبر أخطائنا أننا نطرق باب الله…
بعد أن تتعبنا أبواب الناس.
مع أنه الباب الذي كان يجب أن نطرقه أولًا.
فلا تجعل الصمد بابك الأخير!
وما دام ربك هو الصمد… فلست بلا سند.
ولستَ — مهما اشتدَّ الليل — وحدك!


Leave a Reply