بقلم: فهد فالح
ليست كل يدٍ تمتد إليك تريد أن تصافحك.
بعض الأيدي تريد فقط أن تعرف أين تؤلمك!
وليست كل ابتسامة نافذةً يدخل منها الضوء.
بعض الابتسامات… أبوابٌ تدخل منها الكارثة وهي تخلع حذاءها عند العتبة!
في هذه الدنيا أناس يشبهون الشوك المغلَّف بالحرير.
تراهم فتطمئن.
تسمعهم فتأنس.
تقترب منهم فتقول: ما أرقَّ هؤلاء!
ثم تكتشف ـ بعد أن يصبح الرجوع مكلفًا ـ أن الحرير كان غلافًا فقط… وأن الشوك هو الحقيقة.
هؤلاء لا يؤذونك من بعيد.
الأذى عندهم يحتاج إلى قرب.
يحتاج أن تمنحهم مفتاحًا.
أن تخبرهم بسر.
أن تفتح لهم نافذةً صغيرة في قلبك.
ثم يتولون هم توسيع النافذة حتى تصبح ثغرة يدخل منها الخراب كله.
الغريب أنك لا تعرفهم في البداية.
فالسمُّ لا يأتي دائمًا في زجاجة كتب عليها: سم.
قد يأتيك في فنجان قهوة.
وفي سؤال حنون.
وفي رسالة تقول لك:
«أنا أخاف عليك!»
وقد يكون أكثر الناس حديثًا عن خوفه عليك… هو أكثرهم معرفة بالطريق الذي يؤذيك منه.
⸻
بعض البشر ألغام بشرية.
واللغم لا يطاردك.
لا يجري خلفك.
لا يرفع صوته.
إنه ساكن.
هادئ.
ينتظر فقط أن تقترب منه خطوةً أكثر مما ينبغي.
ثم ينفجر!
والمشكلة أن ألغام الأرض لا تبتسم لك.
أما ألغام البشر…
فتبتسم كي تدوس عليها!
⸻
ولهذا لا تفتح أبواب حياتك بلا حساب.
ليس كل من طرق الباب يستحق الدخول.
وليس كل من أحسن الكلام أحسن العِشرة.
وليس كل من اقترب منك أحبك.
هناك من يقترب ليعرف.
ومن يعرف ليملك.
ومن يملك ليضغط.
ومن يضغط ليؤلم.
فلا تجعل قلبك غرفةً بلا باب.
ولا تجعل حياتك شارعًا عامًا يمر فيه كل عابر.
ضع على بوابة روحك لافتة كبيرة:
ممنوع اللمس!
لا لأنك تكره الناس.
بل لأنك تعلمت أن الأشياء الثمينة لا تُترك في الطرقات.
⸻
اختبر الناس قبل أن تمنحهم مفاتيحك.
لا تختبرهم وهم راضون عنك.
كل الناس جميلون تقريبًا حين يحصلون على ما يريدون.
اختبرهم حين تقول لهم: لا.
هناك تسقط الأقنعة.
راقب الإنسان في غضبه.
فالغضب قد يخرج من الفم أشياء كانت تختبئ في القلب منذ سنوات.
وراقبه حين تختلف معه.
هناك فرق هائل بين من يختلف مع فكرتك… ومن ينتقم من كرامتك لأنك خالفت فكرته.
راقبه حين تصبح ضعيفًا.
فالنفوس الكريمة تحنو على الضعيف.
أما النفوس المريضة فتشمُّ الضعف كما يشم الوحش رائحة الدم.
وراقبه مع من لا يحتاج إليهم.
مع العامل.
مع الخادم.
مع الصغير.
مع الإنسان الذي لا يملك أن ينفعه ولا أن يضره.
فهناك ترى حجمه الحقيقي.
قد يتصنع الإنسان الأدب أمام مديره سنوات.
لكن دقيقة واحدة مع شخص لا يخشاه قد تكشف لك تربيته كلها.
⸻
ولا تصدق الكلمات كثيرًا.
الكلام أرخص سلعة في سوق البشر.
يمكن لإنسان أن يقول لك ألف مرة:
«أنا معك».
ثم تبحث عنه في أول معركة فلا تجد إلا الجملة!
ويمكن لإنسان ألا يقول شيئًا…
لكنه يقف بجانبك عندما يهرب الذين ملؤوا أذنيك بالوعود.
الناس لا يُعرفون بما يقولون عن أنفسهم.
الناس يُعرفون بما يفعلونه عندما تصبح المصلحة في جهة… وأنت في الجهة الأخرى.
⸻
وأخطر الناس عليك ليس عدوك.
عدوك تعرف مكانه.
تعرف أنه لا يحبك.
فتغلق أبوابك وتنام.
لكن الخطر الحقيقي ممن ينام داخل الأسوار.
ممن يعرف أين خبأت ضعفك.
ومن أي باب تدخل إليك الكلمات.
وأي ذكرى إذا لمسها نزفت.
وأي إنسان إذا تحدث عنه تألمت.
إنه لا يحتاج إلى سلاح.
لقد أعطيته ـ يوم وثقت به ـ خريطة مواقعك الحساسة كاملة.
ولهذا تكون جراح القريب أعمق.
فالسكين التي تأتيك من بعيد قد تراها.
أما التي تأتيك من اليد التي كنت تمسك بها…
فلا تراها إلا وهي في صدرك.
⸻
ومع ذلك، لا تجعل الخوف يحولك إلى حجر.
لا تجعل تجربة سيئة تعلمك أن تسيء الظن بالعالم كله.
ففي الدنيا قلوب نظيفة.
وأصدقاء يشبهون المظلات؛ لا يمنعون المطر، لكنهم لا يتركونك تحته وحدك.
وفيها أناس إذا عرفوا ضعفك ستروه.
وإذا عرفوا سرك دفنوه في صدورهم.
وإذا غضبوا منك أبقوا للود بابًا.
وإذا اختلفوا معك لم يحولوا أسرارك إلى منشورات، ولا أخطاءك إلى أسلحة.
هؤلاء اقترب منهم.
تمسك بهم.
فهم ثروة لا تظهر في الحسابات البنكية.
لكن لا تمنح هذه المنزلة لأحد قبل أن يستحقها.
فالخطأ الذي نرتكبه كثيرًا أننا نعطي الناس المكانة أولًا… ثم نطلب منهم بعد ذلك أن يثبتوا أنهم يستحقونها!
والصواب أن يثبتوا أولًا…
ثم يأخذوا مكانهم.
⸻
واعلم أن بعض العلاقات لا يصلحها الصبر.
نحن أحيانًا نسيء فهم الفضائل.
نظن أن التسامح يعني أن نفتح الباب لمن كسره.
وأن طيبة القلب تعني أن نسمح للآخرين باختبار قسوتهم علينا كل صباح.
وأن الوفاء يعني أن نبقى في الأماكن التي تقتل فينا شيئًا كل يوم.
ليس صحيحًا.
قد تسامح إنسانًا…
ولا تعيده إلى مكانه.
وقد تعفو عنه…
ولا تعطيه مفتاح بيتك مرة أخرى.
وقد تغفر له…
لكن من مسافة آمنة.
فالصفح شيء.
وإلغاء الحدود شيء آخر.
⸻
أحيانًا يكون البُعد أدبًا مع النفس.
والانسحاب شجاعة.
وإغلاق الباب علاجًا.
وليست كل معركة يجب أن تخوضها.
هناك معارك تنتصر فيها يوم ترفض دخولها.
وأناس تهزمهم حين تحرمهم من الوصول إليك.
فالذي يعيش على استفزازك يموت جوعًا إذا لم تطعمه ردودك.
والذي يبحث عن نقاط ضعفك يفلس إذا أغلقت مخزن أسرارك.
والذي اعتاد الدخول والخروج من حياتك كما يشاء يتعلم قيمتك يوم يجد الباب مغلقًا لأول مرة.
⸻
وأصعب لحظة ليست حين تكتشف الإنسان المؤذي.
بل حين تكتشف أنك تأخرت في اكتشافه.
حين تنظر خلفك فترى كم دفعت.
كم تنازلت.
كم اعتذرت عن أخطاء لم ترتكبها.
كم مرة أقنعت نفسك أن الجرح مصادفة.
وأن الإهانة لحظة غضب.
وأن الخيانة سوء فهم.
وأن الطعنة انزلقت من يده!
نحن أحيانًا لا يخدعنا الناس بقدر ما تخدعنا رغبتنا في أن يكونوا كما تمنيناهم.
نرى الحقيقة…
ثم نضع فوقها غطاءً جميلًا.
حتى يأتي يوم لا تكفي فيه أغطية العالم لإخفائها.
⸻
إذا جاء ذلك اليوم فلا تكره نفسك.
تعلم.
هناك دروس ندفع ثمنها نقودًا.
ودروس ندفع ثمنها وقتًا.
ودروس ندفع ثمنها قطعةً من القلب.
لكن أسوأ الخسائر أن تدفع الثمن… ولا تتعلم الدرس.
خذ قلبك الذي بقي.
نظفه من الغضب.
واترك القطعة التي مزقها الرحيل خلفك.
لا تعد تبحث عنها تحت أقدام من لم يعرف قيمتها.
فبعض الأشياء إذا استرددتها استرددتها ملوثة.
وأحيانًا يكون فقد جزء منك…
أرحم من فقد نفسك كلها.
⸻
لا تبحث عن الناس الكاملين.
لن تجدهم.
وابحث عن الناس الآمنين.
فالإنسان الآمن قد يختلف معك، لكنه لا يذلك.
يغضب منك، لكنه لا يهدمك.
يعرف أسرارك، لكنه لا يبيعها ساعة الخصومة.
يرى ضعفك، فلا يحوله إلى مقبض يمسكك منه.
إن اضطر إلى الرحيل، رحل وهو يغلق الباب برفق…
لا وهو يحرق البيت.
هذا هو الإنسان الذي يستحق أن تخفض عنده الحراسة.
أما سواه…
فليقرأ اللافتة من بعيد:
ممنوع اللمس.
لأن قلبك ليس حقل تجارب.
وأسرارك ليست ذخيرة مجانية.
وكرامتك ليست ثمنًا تدفعه كي تحتفظ بأحد.
وتذكر دائمًا:
بعض القرب هزيمة لا يُصلح خرابها اعتذار، وبعض البُعد نجاة لا تساويها كنوز الأرض.
فلا تسأل دائمًا:
من يحبني؟
اسأل السؤال الأهم:
من يأمن قلبي معه؟
فهناك فرق كبير بين إنسان يحب وجودك…
وإنسان يصون وجودك.
وبين من يريد أن يكون في حياتك…
ومن يستحق أن يكون فيها.


Leave a Reply